يهدف التوثيق
إلى تيسير تداول العقار بكل أمن و أمان و ضمان حفظ الحقوق لأصحابها. إلا أن التعدد
التوثيقي يشكل سببا ظاهريا للأزمة التي يعرفها العقار باعتبار أن هذا التعدد ناتج
عن العديد من التراكمات، منها ما هو مرتبط بالتطور الطبيعي للمجتمع المغربي و منها
ما هو مرتبط بالجانب التنظيمي الذي كان مقصودا لخدمة أهداف استعمارية (1). و أمام
هذا التعدد الذي يعرفه نظام التوثيق و تأثيره السلبي على عملية التنمية كان من
الضروري أن يعمل المشرع المغربي على توحيد الأنظمة التوثيقية حتى لا تبقى معاملات
الناس منقسمة و مشتتة بين رسمية التعاقدات و عرفيتها، و بين نظام توثيقي وضعه
المستعمر لحماية مصالح الأجانب و بين نظام تعاقدي خاضع للفقه الإسلامي، رغم بقائه
محافظا على ما هو ثابت و متطور، و جموده على وسائل أصبحت عاجزة لتحقيق استقرار
حقيقي لحقوق الناس و مصالحهم(2).
و في هذا
السياق ظهرت مجموعة من النداءات مطالبة بتوحيد النظام التوثيقي بالمغرب باعتباره ضرورة
حتمية حيث أوصت مجموعة من الندوات (3) بتوحيد التشريع المتعلق بالتوثيق و إصدار
مدونة له تنظم المهنة و الهيئة و تؤسس لمهنة توثيقية موحدة و منظمة، و حداتية
باعتباره مطلب من المطالب الوطنية، و اهتمام جماهري أوجبته الوحدة الوطنية. كما
اعتبر الدكتور شكري الأجروي أن توحيد التوثيقين العدلي و العصري فكرة إيجابية تحقق
شفافية التوثيق و تبسيط مؤسساته، و توحيد إجراءاته و وثائقه (4)، و لتفعيل هذه
الفكرة لابد من دراسة النظامين و الوقوف على نقط التقائهما و اختلافهما كخطوة أولى
ثم بعدها يعمل المشرع المغربي على تحيين الترسانة القانونية المتعلقة بالتوثيق، و
يرى الدكتور عبد السلام البوريني في هذا الصدد أن الخطوة العملية لجمع الشمل تتمثل
في إزالة المعيقات التي تعرقل وجه التقارب بين التوثيقين العدلي و العصري (6)، و
من بينها عدم استقلالية مهنة التوثيق العدلي و حريته نظرا لارتباطه بخطاب القاضي
عكس الموثق العصري الذي يتحمل المسؤولية الكاملة، و من بين المعيقات كذلك الإشهاد
و الثنائية في الإشهاد و التلقي فلا معنى لها إطلاقا، فيجب العمل بالكتابة دون
الإشهاد كما هو ظاهر في الآية الكريمة " و ليكتب بينكم كاتب بالعدل".
عديدة هي
معيقات التوحيد بين التوثيقين و ما ذكر هو على سبيل المثال لا الحصر لكن إذا عمل
المشرع المغربي على إزالتها و قطع الطريق على التعددية و الازدواجية و التبعية و
حيرة المواطن أثناء قيامه بإحدى التصرفات التوثيقية و القضاء على الورقة العرفية.
و ذلك بإصدار مدونة لضبطه و تنظيمه تنظيما محكما و حداتيا.
و الملاحظ في
مسألة التوحيد بين التوثيقين هو أن هذه الدعوة قائمة من طرف واحد و هم العدول و
سائر المواطنين المتطلعين لغد أفضل من أجل الاطمئنان على مصالحهم، أما الموثقون
العصريون فهم رافضون للتوحيد لأنهم يعملون في وضعية مريحة.
و في الأخير
يمكن القول بأن إمكانية الاندماج قد لا تطرح أي إشكال فيما يخص المعاملات المالية
أو التي تؤول إلى مال و إنما يبقى السؤال مطروحا بالنسبة للأحوال الشخصية و في
مقدمتها الزواج و الطلاق كما أن السؤال يطرح كذلك حول إمكانية إشهاد المرأة و نفس
الشيء بالنسبة للمغربي غير المسلم.
و تجدر
الإشارة إلى ضرورة اتجاه العدول إلى العصرنة و مواكبة التحديث حتى يسهل الاندماج
بين النظامين، علما أن مدة التدريب بالنسبة لهم سنة واحدة، فهي غير كافية مقارنة
مع مدت التدريب التي يتلقاها الموثق العصري "4 سنوات". لدى وجب في هذا
الصدد إعادة تكوين و تأهيل العدول و الموثقين و توحيد شروط الالتحاق بالمهنة و
مواد الاختبار و كذا الجهة المكلفة بالمراقبة و التأديب، و انفتاح كل نظام على
الآخر فيما يتعلق بالتكوين و التأهيل و تبادل الخبرات، و الحرص على صيانة التوثيق
و الرفع من مستوى أدائه شكلا و مضمونا(6).
المراجع المعتمدة:
1-
يوسف زبير، "تعدد الأنظمة
العقارية و التوثيقية و تأثيرها على الوضعية العقارية بالمغرب"، رسالة لنيل
دبلوم الدراسات المعمقة، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بطنجة،
السنة الجامعية 2013-2014، ص 97.
2-
الدكتور الحسن
المسؤول،"الوثيقة العدلية بين الاستمرار و الزوال، التوثيق المغربي، الواقع و
الآفاق، ندوة وطنية بالكلية متعددة التخصصات بتازة.
3-
توصيات صادرة عن ندوتين علميتين،
الأولى نظمها المجلس الجهوي للعدل بمكناس بتاريخ 27/02/2012 و الثانية عقدتها كلية
الشريعة بأكادير بتاريخ 18/19/2012.
4-
الدكتور شكري الأجروي،
"خطة العدالة الواقع و الآفاق"، عرض منشور بموقع وزارة العدل و الحريات،
ص 17.
5-
عبد السلام البوريني رئيس
الهيئة الوطنية للعدول سابقا، رسالة موجهة إلى رئيس اللجنة الوطنية للحوار الوطني
قصد الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة.
6-
بشرى عويمر، " أنظمة
التوثيق و مدى كفايتها لحماية التصرفات القانونية العقارية"، رسالة لنيل
دبلوم الدراسات المعمقة، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بطنجة،
السنة الجامعية 2007/2008، ص 92.
يوسف علوي

تعليقات
إرسال تعليق