أنواع الجرائم التي قد يعاقب بها الموظفون المتابعون أمام غرف الجنايات "محاكم الأموال" -الجزء الثاني-


سبق و أن تطرقنا في الجزء الأول لجناية الارتشاء، و جناية الغدر، أما الجزء الثاني فهو مخصص لجريمتي الاختلاس و التبديد1، و جريمة استغلال النفوذ2.

3- الاختلاس و التبديد
المقصود بالاختلاس أو التبديد، هو تحويل الحيازة المؤقتة إلى ملكية تامة.
و يجدر الذكر إلى أن الاختلاس ليس مجرد تحويل الحيازة الناقصة إلى حيازة كاملة، كما هو الحال في الاختلاس، بل التصرف في الشيء بأي وجه من التصرفات...
و للتدقيق في التمييز بين التبديد و الاختلاس، فالتبديد يعني تغيير المركز القانوني للشيء بتحويل وضعه الأصلي على وضع آخر بدون رضا الضحية أو خرقا للقانون، من ذلك بيع الشيء المسلم أو توزيعه أو إتلافه، أما الاختلاس فيأخذ معنى سلب الشيء أو الاستحواذ عليه خفية أو خلسة بسوء نية ضد إرادة مالك الشيء.
و متى تبث أن القاضي أو الموظف العمومي بدد أو اختلس أو احتجز بدون بدون حق أو أخفى أموالا عمومية...، فإن العقوبات التي قد تطاله تتراوح ما بين سنتين و خمس سنوات، و غرامة قد تصل إلى خمسين ألف درهم " يراجع الفصل 241 من القانون الجنائي".
و يسري على هذه الجرائم مبدأ الإثبات الحر المنصوص عليه في المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية ..، كما أنها ليست من الجرائم التي يتوقف تحريك الدعوى العمومية بشأنها إذ وجود شكوى يتقدم بها المشتكي المتضرر، إلى النيابة العامة باعتبارها ممثلة الحق العام في تحريكها دون قيد أو شرط أو وجود شكاية. و يجدر الذكر إلى أن العدد الإجمالي لهذه القضايا خلال العشرية الأخيرة لم يتجاوز 458 قضية، أي بمعدل 44 قضية في السنة، علما أن هذا الرقم يتفاوت من سنة لأخرى، فبعض السنوات سجلت نسبا قليلة، كما هو الشأن بالنسبة لسنة 2004 التي لم تعرف تسجيل سوى 4 قضايا، بالمقابل سجلت 2007 ما مجموعه 85 قضية، و قد عرفت السنوات الأخيرة انخفاضا في عدد القضايا المسجلة على مستوى المحاكم بحيث عرفت سنة 2010 تسجيل 17 قضية، و في سنة 2011 سجلت 26 قضية.

4- استغلال النفوذ le trafic d'influence

كل من استغل نفوذه الحقيقي أو المفترض، بأن طلب أو قبل عرضا أو وعدا أو طلب أو تسلم هدية أو أية فائدة أخرى من أجل تمكين شخص أو محاولة تمكينه من أجل الحصول على وسام أو نشان أو رتبة شرفية... أو وظيفة أو أية مزايا أخرى تمنحها السلطة العمومية... فإنه متى ثبت أنه ارتكب هذه الجريمة، يعاقب بعقوبة حبسية تتراوح ما بين سنتين و خمس سنوات، و غرامة قد تصل إلى مائة ألف درهم " راجع 245 من القانون الجنائي". و جريمة استغلال النفوذ تتحقق بمجرد إقدام الفاعل على طلب أو تسلم هبة أو هدية أو فائدة أخرى، من أجل تمكين شخص أو محاولة تمكينه من خدمة أو صفقة أو مشروع ناتج عن اتفاق يعقده مع السلطة العمومية مستغلا بذلك نفوذه، فإن انكشافها يضل مستعصيا مادام مقترفها باقيا في مركزه محتفظا بنفوذه، و المعتمد قانونا لاحتساب أمد تقادم جريمة استغلال النفوذ، يبدأ من تاريخ الكشف عنها إن أمكن ذلك، و إلا من تاريخ ترك الفاعل الأصلي للوظيفة أو الخدمة التي جرى استغلالها في ارتكاب الجريمة و إخفائها و المرتبطة أصلا بالوظيفة ..، و تتقادم هذه الجريمة باعتبارها جناية بمضي 15 سنة كاملة عن تاريخ ارتكابها، أو تاريخ اكتشافها، أو تاريخ الإعفاء من المنصب، حسب الأحوال.
و تنبغي الإشارة إلى أن هذا النوع من الجرائم يظل ضعيفا على مستوى عدد القضايا المسجلة لدي المحاكم، فخلال السنوات العشر الأخيرة، لم تسجل المحاكم هذا النوع من القضايا إلا في السنوات الثلاثة الأخيرة، فطيلة المدة الممتدة من 2002 إلى 2008 لم يتم تسجيل أية قضية، فيما عرفت سنة 2009 تسجيل 07 قضايا، بينما عرفت سنة 2010 تسجيل 06 قضايا، و في سنة 2011 تم تسجيل 08 قضايا ، و لقد توبع في مجموع هذه القضايا 18 شخصا.
ويلاحظ على هذه الأرقام المسجلة في هذا المجال، بأن جريمة استغلال النفوذ لا تتجاوز 0.01 في المائة من مجموع القضايا المسجلة.
و الحديث عن الرشوة و استغلال النفوذ يقتضي التمييز فيما بينهما، فالشخص الذي يستغل النفوذ يتصرف خارج إطار وظيفته، في حين أن الشخص المرتشي في جريمة الرشوة يتاجر في وظيفته لا في نفوذه، إذن استغلال النفوذ هو في الحقيقة استغلال للصفة la qualit، لا استغلال للوظيفة la fonction. و لمحاربة الفساد المتعلق بجرائم المال العام، يكفي الإصلاح التشريعي، بل يجب أيضا الإصلاح المؤسساتي للإقتصا، باعتماد عدة قوانين تهم المنافسة و الجمارك و الوظيفة العمومية وتبسيط المساطر و تخليق الإدارة و إحداث نوع من المصالحة بين الإدارة و المواطنين، و التحسيس التربوي و الإعلام و المجتمع المدني اليقظ.
كذلك لا بد من الإرادة الجماعية لدى المسؤولين في الحكومة الموجودين في مراكز القرار، للكشف عن مرتكبي هذه الجرائم، و اتخاذ القرارات الحاسمة بإحالة كل من ثبت تورطه في ارتكابها على القضاء، ليقول فيه كلمته في إطار الاستقلالية المخولة له دستورا و قانونا، دون التدخل من أية جهة كانت، و بذلك يمكن تحصين المال العام و عدم تعرضه للاختلاس و التبديد.


 الدكتور الطاهر الكركري: مقتطف من مقال منشور بجريدة الأخبار، العدد 427

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك