جريمة الاستغفال أو استغلال عدم الخبرة



خلافا للمقولة الشائعة بأن القانون لا يحمي المغفلين، سنتطرق اليوم إلى جريمة تفيد وجود حماية جنائية لبعض المغفلين الذين ينطبق عليهم المثل المغربي "راكب حمارو وكايقلب عليه"، و غالبا ما يتربص بهؤلاء بعض محترفي النصب و الاحتيال، فيستغلون سذاجتهم أو أهوائهم لكي يغرونهم لتوقيع بعض الوثائق التي تساوي ذهبا.


و هكذا ينص الفصل 552 من القانون الجنائي على أن " من استغل حاجة قاصر دون الواحدة و العشرين أو بالغا فاقد الأهلية أو محجورا، أو استغل أهواءه أو عدم خبرته، ليحصل منه على التزام أو إبراء أو أي سند يمس ذمته المالية، إضرارا به يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات و غرامة من مائتين إلى ألفي درهم.
و الملاحظ أن المشرع الجنائي في هذا الفصل بالذات، مازال يعتبر أن سن الرشد هو 21 سنة، خلافا لمشرع مدونة الأسرة الذي يحدد هذا السن في 18 سنة.
و واقع النصب و خيانة الأمانة في المغرب يكشف أن الضحايا ليسوا فقط فاقدي الأهلية و المحجورين و من هم دون الواحدة و العشرين من العمر، بل إن الضحايا هم أوسع من ذلك بكثير، و لا عجب في ذلك مادامت الثقافة الشعبية تصور المحتال بأنه ماهر و شاطر، و تشجع على انتهاز الفرص من قبيل " الله يجعل الغفلة ما بين البايع و الشاري"، و "ضرب لحديد ما حدو سخون"، بل توصي بعدم الحذر و عدم اتخاذ الاحتياطات أثناء التعامل مع الغير، و هو ما جعل شعار " سير بالنية و نعس مع الحية" معمولا به بشكل يومي.
مع العلم أن أغلب من يتعرضوا لهذا النوع من الجرائم، هم كبار السن الذي تنقض عليهم أعراض الشيخوخة، فتضعف ذاكرتهم و تهتز إرادتهم و تهجم عليهم بعض النزوات و الأهواء المتأخرة، و التي يجيد بعض المحترفين استغلالها، من قبيل الرغبة في زواج متأخر و غير متناسب "سولوه آش خاصك ألشارف الهارف قالهم بغيت الصغيرة مولات السوالف".
و كثيرا ما وجد الأبناء أن أباهم الشيخ اتبع هواه و كتب ما كسبت يداه لزوجته الجديدة، و الذي يعتقد أنها ما أحبت أحدا سواه، إنه شكل آخر من أشكال استغلال النفوذ و الخيانة المالية التي تمارسه بعض الجميلات، سواء كنا زوجات خليلات أو عشيقات خليلات على مجموعة من كبار السن، و التي يمكن أن تندرج بشروط معينة في إطار جريمة استغلال الأهواء للمس بالذمة المالية، و نفس الصورة يمكن أن نعكسها لنجد أيضا أن مجموعة من النساء الأرامل كن أيضا لبعض الشباب الباحث عن الاغتناء السريع. علما أن بعض محترفي النصب يلعبون جيدا على حبل عدم خبرة ضحاياهم و قلة تجربتهم، و أفضل فريسة بالنسبة إليه هو الطماع، لذلك يصدق المغاربة في قولهم " ما حد الطماع كاين الكذاب ما خصو خير"، فيكفي أن يستعمل النصاب سلاحه السحري و يظهر للضحية أن مشروعا أو عقدا أو التزاما معين كله أرباح لكي يسهل عليه توجيهه و اقتياده بالطريقة التي يريد. و بالإضافة إلى الطمع قد يستغل النصاب حاجة ضحيته، سواء كانت ما دية أو معنوية، لكي يحصل منه على فوائد مالية مفرطة، لا تناسب قضاء تلك الحاجة، أو يحصل منه على سند تبرع بأمواله، التزام بدين يثقل كاهله، أو إبراء من دين كان بذمة نصاب...
و رغم أن المشرع عالج هذه الانحرافات في إطار القانون المدني، من خلال السماح بطلب إبطال الالتزامات التي تتضمن غبنا فاحشا، فإن العصا الجنائية تبدو ضرورية أحيانا لجزر بعض مظاهر الاستغلال البشع التي يكون قوامها هو الكذب و الغش و الخداع في مواجهة أشخاص ضعاف إما بدنيا أو نفسيا أو ذهنيا.


يوسف وهابي

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك