هل تمارس الدولة اعتقالا تحكميا ممنهجا على المحكوم عليهم بالإعدام؟


نصت المادة 648 من قانون المسطرة الجنائية في مجال تقادم العقوبات على أنه:
"يترتب عن تقادم العقوبة تخلص المحكوم عليه من آثار الإدانة، إذا لم تكن العقوبة قد نفدت خلال الآجال المحدد في المادة 649 و ما بعدها إلى المادة 651 بعده..".
كما نصت المادة 649 من القانون نفسه على أنه: " تتقادم العقوبات الجنائية بمضي خمس عشر سنة ميلادية كاملة تحسب ابتداء من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم الصادر بالعقوبة مكتسبا لقوة الشيء المقضي به.

إذا تقادمت عقوبة المحكوم عليه بالإعدام، فإنه يخضع بقوة القانون طيلة حياته للمنع من الإقامة في دائرة العمالة أو الإقليم التي يستقر بها الضحية الذي ارتكب الجريمة على شخصه أو على أمواله، أو يستقر بها ورثته المباشرون. تطبق على المنع من الإقامة في هذه الحالة مقتضيات القانون الجنائي".
و نصت قبلهما المادة 16 على أنه:
العقوبات الجنائية الأصلية هي:
1-   الإعدام
2-   السجن المؤبد
3-   السجن المؤقت من خمس سنوات إلى ثلاثين سنة
4-   الإقامة الإجبارية
5-   التجريد من الحقوق الوطنية.
و بمنطق أرسطي بسيط يمكن للمرء أن يتساءل حول ما إذا كانت عقوبة الإعدام التي قد يحكم بها القضاء المغربي على أحد المدانين، تبيح لسلطات الدولة أن تحتفظ بالمعني بالأمر عشرات السنين دون تنفيذ العقوبة الصادرة ضده؟
فما هو السند القانوني في اعتقال المحكوم عليه بالإعدام طيلة تلك المدة، و الحال أن الحكم الصادر ضده لا يتضمن تطبيق أية عقوبة بالسجن في حقه؟ هذا من جهة.
و من جهة ثانية، فإن السؤال الذي قد يطرح نفسه علينا هو: ألا يؤدي تطبيق مقتضيات المادة 649 من قانون المسطرة الجنائية على عقوبة الإعدام باعتبارها عقوبة جنائية، وجوب إطلاق سراح المحكوم عليهم بالإعدام الذين قضوا خمس عشر سنة كاملة في انتظار تنفيذها عليهم، دون أن يتم ذلك التنفيذ، باعتبار أن العقوبة المحكوم عليهم بها قد طالها التقادم؟ و ما يدعون إلى هذا السؤال هو ما نلاحظه على مستوى المؤسسات السجنية التي تضم سجناء محكوم عليهم بالإعدام، و الذين يقضون في الزنازين أزيد من ثلاثين سنة في انتظار تنفيذ العقوبة عليهم، و يأملون في الإنعام عليهم بعفو يحول عقوبتهم من الإعدام " الذي تقادم" إلى السجن المؤبد "الذي يعيشونه في الواقع بدون سند قانوني"، في الوقت الذي يكونون فيه مستحقين لإطلاق سراحهم من عدة سنوات خلت.
و إذا كانت المادة 652 من قانون المسطرة الجنائية تعطي للمحكومين عليهم غيابيا و للهارب من العدالة إمكانية الإفلات من العقاب و لو كانوا محكومين بالإعدام، بمضي 15 سنة بنصها على أنه:
" لا يمنكن بأي حال من الأحوال، أن يقبل من شخص تقدم بتنفيذ ما حكم به عليه في غيبته أو بناء على المسطرة الغيابية، إذا تقادمت العقوبة المحكوم بها عليه".
فكيف يمكن تبرير إبقاء المحكوم عليه بالإعدام محبوسا عندنا في المغرب تحت أنظار سلطات الدولة و رهن تصرفها، و هو يتعدب نفسيا كل يوم لأزيد من 15 سنة في انتظار تنفيذ عقوبة الإعدام عليه، دون أن يستفيد من التقادم المنصوص عليه في المادة 649 من قانون المسطرة الجنائية بدون استثناء؟
و للإشارة فقط فإن قوانين جنائية لدول تطبق عقوبة الإعدام قد أفردت أجلا خاصا لتقادم عقوبة الإعدام، منها المادة 342 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الذي حدد التقادم بالنسبة إلى الإعدام و المؤبد في 25 سنة، و كذلك نص الفصل 162 من القانون السوري، أما المادة 120 من قانون العقوبات الليبي فقد نصت على: " تسقط العقوبة المحكوم بها في جناية بمضي عشرين سنة ميلادية"، و كذلك بالنسبة إلى التشريع الفلسطيني الذي جعل التقادم بخصوص عقوبة الإعدام هو ثلاثون سنة.
و في الختام نتساءل ما إذا كان الإبقاء على المحكوم عليهم بالإعدام أزيد من 15 سنة في السجون المغربية، لا يعتبر اعتقالا تحكميا تمارسه الدولة بشكل ممنهج ضد فئة من السجناء؟
تلك كانت مجرد وجهة نظر و دعوة إلى النقاش، بعيدا عن مطالب إلغاء العقوبة أو الإبقاء عليها، حتى يتم توضيح مختلف وجهات النظر القانونية الأخرى بشأنها، في أفق تجاوز الثغرات القانونية التي تعتري وضعية المحكوم عليهم بالإعدام، و حماية أمنهم القانوني و القضائي كمواطنين، في إطار من الامتثال لقواعد الحق و القانون، و قواعد العدل و الإنصاف.


ذ أحمد حرمة: مقال منشور بجريدة الأخبار، عدد 427

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك