بيع مساكن الدولة لمن يشغلها .. قراءة في المراسيم المنظمة لعملية البيع



سعت الدولة المغربية في مناسبات عديدة، إلى توفير السكن اللائق لفائدة موظفي إدارتها، و ذلك من أجل توفير ظروف ملائمة لممارسة وظيفتهم على أحسن ما يرام.
و يعتبر موضوع تفويت مساكن الدولة لمن يشغلها من الموظفين و من في حكمهم، أحد أهم رهانات الدولة في الألفية الثالثة، حيث عمدت على إصدار مجموعة من المراسيم، ابتداء بظهير 1963، ثم مرسوم 18 غشت 1987، المعدل بمرسوم 30 يونيو 1999.
و رغم أن بيع المساكن المملوكة للدولة يتخد طابعا مدنيا صرفا، إلا أن عمليات التفويت تتم في إطار قواعد المحاسبة العمومية، كلما تعلق الأمر بالبيع أو التفويت. وعلى أي حال فإن ظهير 18 غشت 1987، خول للدولة الحق في بيع عقاراتها السكنية إلى من يشغلها من الموظفين، باستثناء أولائك المتدربين، و من المستخدمين في إدارات الدولة بموجب عقود، شريطة أن يدلي هؤلاء بما يثبت قضائهم لثلاث سنوات في الخدمة بالإدارات التابعة للدولة، كما أن البيع يكون بالتراضي وفق ما هو منصوص عليه في هذا المرسوم، الذي جعل بعض المساكن خارجة عن نطاق التفويت، و منها تلك المخصصة لأعضاء الحكومة و أعضاء الدواوين التابعين لها، و غيرها من المساكن المذكورة بتفصيل في المرسوم السالف الذكر.
و رجوعا إلى المادة السادسة من المرسوم نفسه، فإن شراء العقارات المذكورة يكون وفق خبرة إدارية، و يدفع ثمن البيع وفق شروط، حيث يؤدى المبلغ الأقصى الذي يرغب المشتري في تسديده، شريطة ألا يقل عن نسبة 20 في المائة من ثمن البيع، و على أساس أن يدفع الباقي على أقساط شهرية قدرها 18 قسطا تترتب عليها فائدة سعرها 06 في المائة.
و من حسنات هذا المرسوم، أنه خول لورثة المشتري في حالة وفاته، الحق في متابعة إجراءات الشراء، ما لم يختاروا فسخ البيع، الذي يكون حينئذ بناء على قرار لوزير المالية. و مما يجب ذكره، أن هذا المرسوم لقي إقبالا و ترحيبا كبيرين من قبل الفئة التي استهدفها بالدرجة الأولى، حيث يبعث مجموعة من مساكن الدولة لفائدة شاغليها بأثمنة مشجعة و جد مناسبة، و رغم أن الدولة في شخص وزارة الاقتصاد و المالية لم تستفد شيئا من أثمنة بيع هذه العقارات، نظرا لضالتها، إلا أنها ساهمت، و لو بشكل ضئيل، في حل أزمة السكن التي أمست معضلة العديد من الموظفين في عصرنا الحاضر.
و مما يدل على حركية هذا المرسوم و تطبيقه على أرض الواقع، صدور مرسوم آخر 30 يونيو 1999 يعدل بموجب المرسوم السابق، و كان الهدف الأساسي من إصدار هذا المرسوم توسيع نطاق الاستفادة من المساكن المملوكة للدولة، فإذا كان تطبيق ظهير 18 غشت 1987 يخلق مجموعة من المتاعب في حالات استثنائية، منها حالات الإحالة على التقاعد و الأرامل و أبناء الموظفين، فإن مرسوم 30يونيو 1999 ساهم بشكل كبير في حل هذه الإشكاليات، بأن نص في مادته الأولى على فئة الأشخاص المستفيدين من نطاق تطبيق ظهير 18 غشت 1987، و أدخل فئات أخرى، يبقى أهمها الأشخاص المحالين على التقاعد و أبناء الموظفين و الأعوان المتوفين قبل إحالتهم على التقاعد أو بعد ذلك، و الذين يشغلون مساكن مخزنية، كما أن هذا المرسوم بدوره حدد نطاق تفويت المساكن من حيث قابليتها للتفويت من عدمه.
و استنادا إلى المادة الثالثة من هذا المرسوم، يحق للمشتري أن يدفع ثمن البيع نقدا، أو أن يدفع الأقساط المؤجلة قبل حلول مواعيدها، و يلتزم بالقيام بجميع الأعمال الكفيلة بصيانة العقار و يتحمل لهذه الغاية، النفقات التي تتطلبها جميع الإصلاحات الضرورية، و يستند إلى وزير الإقتصاد و المالية لتنفيد ما جاء في هذا المرسوم.
و على أي حال فإن الراغب في اقتناء مسكن مملوك للدولة، ما عليه سوى التقدم بطلب التفويت، بناء على مطبوع تسلمه إدارة أملاك الدولة، التي يوجد المسكن بدائرة نفودها، على أساس أن إدارة أملاك الدولة تقوم بدراسة الطلب و مدى توفر صاحبه على شروط الاقتناء المسطرة في المرسومين معا، و في الآونة الأخيرة تقدمت إدارة أملاك الدولة بوزارة الاقتصاد و المالية بمذكرة تقديم ، تتعلق بمرسوم 2-12-677 يغير بموجبه المرسوم الصادر بتاريخ 18 غشت 1987، حيث يهدف هذا المشروع إلى إدخال مجموعة من التغييرات على المرسوم السالف الذكر، حيث بموجبه سيتم نسخ و إلغاء أحكام المواد 5 و 6 و 7 من مرسوم 18 غشت 1987، و لعل الهدف من اقتراح هذا المشروع هو إيجاد حل للمعضلات و الإشكاليات التي تقف ضدا مع تطبيق أحكام ظهير 18 غشت 1987، الذي و رغم التعديلات التي أدخلت عليه بموجب مرسوم 30 يونيو 1999 إلا أنه ترك فراغا شاغرا لبعض المقتضيات، التي تحمل في طياتها شروطا ضمنية تعسفية في حق المشتري، إذ تنص المادة الخامسة من هذا المشروع، و خصوصا الفقرة الثانية منها، على تحديد أجل ثلاثة أشهر كحد أقصى لسقوط حق المشتري في اقتناء المسكن المملوك للدولة، اعتبارا من تاريخ دعوته من طرف الإدارة عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل، و بالتالي فإن المشتري يفقد الحق في الاستفادة من النظام الخاص، المطبق على الموظفين الذين تقوم الإدارة بإسكانهم، و يعتبر إذ ذلك محتلا بدون سند. و يطرح هذا المقتضى أكثر من علامة استفهام، فمن المعلوم أن أحكام المرسوم تسري في حق الموظفين المسكنين من طرف الإدارة، بناء على عقود كراء أو استغلال، فكيف يتصور اعتبار الموظف محتلا بدون سند، في الوقت الذي تجمعه علاقة كراء بإدارة أملاك الدولة، و نرى أنه من الأنسب الإبقاء على الحالة في حالة عدم إبرام عقد البيع لأسباب عائدة إلى المشتري، و بالتالي بقاءه كطرف مكتر للمسكن دون اعتباره محتلا دون سند، هذا من جهة.
و من جهة أخرى، فإن مصطلح إبرام عقد البيع، يعد من المصطلحات الفضفاضة القابلة لأكثر من تأويل و تفسير، فما هي إذن نية الوزارة من خلال مصطلح إبرام عقد البيع، هل يقتصر فقط على إبداء موافقة المشتري، أم الاستمرار في إجراء البيع، أو  توقيع عقد البيع؟
هذا في الوقت الذي لم تشر فيه المادة المذكورة أي استثناءات تحول دون تطبيقها من قبل استحالة التنفيذ لأسباب راجعة إلى القوة القاهرة أو الحادث الفجائي، مما يحتم إذن ضرورة إدخال بعض التعديلات على هذا المشروع، قبل المصادقة عليه من قبل الجهات ذات الاختصاص. ثم إن ما يستفاد من منطوق المادة المذكورة أن إرادة المشتري رهينة بدعوة من الإدارة، و بمفهوم المخالفة أنه لا يحق للمشتري إبرام عقد البيع، طالما أنه لم يتوصل بدعوة من الموضوع من قبل إدارة أملاك الدولة، و هذا في حد ذاته يعتبر من ضمن الشروط التعسفية التي يحملها هذا المشروع.
و إذا كانت هذه أهم الشروط التعسفية و الانتقادات الوجيهة لمشروع مرسوم 2-12-677، فإنه بالمقابل أتى ببعض المقتضيات التي استحسنها الجميع، و تروم كلها منح امتيازات خاصة لفائدة الموظفين الراغبين في اقتناء المساكن المذكورة، حيث سيتم اعتماد تخفيض بنسبة 40 في المائة من قيمة البيع، الذي سيحدد بناء على خبرة إدارية، ّأضف إلى ذلك تخفيض نسبة المبلغ الأقصى الذي يرغب المشتري في تسديده و الذي لا يقل في أي حال من الأحوال عن نسبة 10 في المائة من ثمن البيع، على أساس أن يؤدى الباقي على أقساط شهرية قدرها 180 قسطا كحد أقصى، ويكون أداء الأقساط وفق عدة طرق، منها الخصم مباشرة من راتب المشتري، أو الأداء دفعة واحدة عند إبرام البيع، كما يحق له تسديد الأقساط دون حلول آجالها.
و نصت المادة السابعة من المشروع ذاته على المقتضيات نفسها التي جاءت بها المادة السادسة، فيما يخص الفئات المحالين على المعاش و كذا أرامل و أبناء الموظفين و الأعوان المتوفين قبل إحالتهم على التقاعد أو بعده.
و في جميع الأحوال، فإن الإسراع بالمصادقة على هذا المشروع، سيكون له وقع كبير على عمليات بيع مساكن الدولة لمن يشغلها من الموظفين و المستخدمين بإدارة الدولة، طالما أن العديد من المراسيم أصبحت حبيسة رفوف الأمانة العامة بالحكومة.


عبد الحق آيت عبد المومن: باحث في ماستر القانون المدني، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية، أكادير

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك