من قال إن المشرع المغربي لا ينص على جريمة من أين لك
هذا؟ و من قال إن القانون الجنائي المغربي لا يسأل الناس عن مصدر أوراقهم المالية،
و خاصة حينما تكون حيازة النقود لا علاقة لها بالنفوذ؟ بلى يبدو المشرع المغربي
حازما في هذا المجال، و لكن مع من؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في حلقة
اليوم. ولكن قبل ذلك فليطمئن ناهبو المال العام و مراكموا الثروات عن طريق
الارتشاء و استغلال النفوذ، لأن الجريمة التي سنتحدث عنها لا تعنيهم، فالقانون
يضمن لهؤلاء وضع مريح جدا، فحتى قانون التصريح الإلزامي بالممتلكات ليس فيه أي نص
يسترهب الناس أو يخيفهم، فهو قانون لطيف الخطاب لا أظافر فيه و لا أنياب، و من شدة
ظرافة هذا القانون أنه يتيح للمصرحين التصريح بما يشاؤون دون أن يبحث عنهم أحد،
فهم لا يلزمون إلا بالتصريح به من أملاكهم و أملاك أطفالهم القاصرين، أما أطفالهم
الراشدين و زوجاتهم المصونات فهم بمنأى عن أي تصريح و عن أية محاسبة. و حتى في
الحالة التي تكون مشوبة ب "الدغل" و يصر فيها صاحب التصريح على ارتكاب
الغش من خلال الإدلاء بتصريح غير حقيقي أو مغشوش أو غير مطابق، فلا يمكن متابعته
مباشرة، بل لا بد أن يمنح فرصة للعن الشيطان و لا بد أن يوجه له إنذار، يمنح فيه
أجلا لا يقل عن شهرين "لتصحيح وضعيته"، و بعد مرور الأجل المذكور آنذاك
يمكن التجرؤ على متابعته، مع العلم أن المكلفين بالتقصي عن الممتلكات ملزومين
بكتمان السر المهني و عدم البوح به لأي كان تحث طائلة المتابعة الجنائية، حفاظا
على أسرار مراكمة الثروات التي لا ينبغي أن تصبح متاحة للجميع، كما أن قلة
الشفافية مطلوبة في هذه الحالات بالضبط.
و حتى في حالة متابعة المصرح الغشاش فإن سقف التفاؤل
بوجود زجر جنائي محدود للغاية، لأن أعلى الخيول الجنائية التي يمكن أن تركبها في
مواجهته لا تتجاوز ركلتها غرامة 3000 درهم إلى 15000 درهم، حسب الفصل 262 مكرر من
القانون الجنائي. أي أن هؤلاء و باختصار يدخلون في زمرة الذين لا يمكن إلقاء القبض
عليهم.
ولكن المشرع المغربي ينتقل بخفة ظاهرة من هذه اللغة الظريفة الخفيفة التي يستعملها من قبيلة الملزمين بالتصريح بالممتلكات إلى لغة أخرى يبدو فيه المشرع حازما غير مسامح و جديا غير ممازح مع طائفة أخرى من الشعب المغربي. وهكذا يخاطب المشرع المغربي في الفصل 529 من القانون الجنائي فئة معينة من ذوي السوابق و قدماء اللصوص بالحبس لا بلغة الغرامة، حاملا لواء الدفاع عن النزاهة و صارخا بأعلى الأصوات الزجرية المدوية، من أين لك هذا؟ من خلال هذا النص: " من سبق الحكم عليه من أجل جناية أو جنحة ضد أموال منذ مدة تقل عن عشر سنوات، ثم وجد في حيازته نقودا أو أوراقا مالية أو أشياء لا تتناسب مع حالته و لم يستطع أن يثبت حصوله عليها من مصدر مشروع يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر".
الله أكبر، إن هذا الفصل الجنائي عبرة لكل من سولت له
نفسه مراكمة الثروات و حيازة الأموال، لكن شريطة أن يكون انتماؤه إلى فئات الشعب
المقهورة التي يدفعها الفقر إلى ارتكاب السرقات، و هكذا ينطبق على المشرع بامتياز
المثل المغربي الذي يقول: 'غدايد مي دادا كتبردها في الدجاج" و لما لا؟
فالدجاج المذبوح يسهل نتفه.
أما آكلو الميزانيات و غيرهم ممن يقترن عندهم النفوذ
بمراكمة المزيد من النقود، فإن المشرع الجنائي لا يفكر فيهم حاليا، لأنه مشغول
بتصفية حساباته الجنائية مع قدماء "الحباسة" المتورطون في السرقة، فهؤلاء
هم الخطر الأكبر و الإجرام الأحمر الذي يجب مراقبته لمدة لا تقل عن عشر سنوات و
إحصاء دراهمه درهما درهما، أما المدهونون فإن لم يكفهم مرهم واحد فأضف إليهم مرهما،
و أعلفهم حتى يصبح النحيف منهم مشحما.
يوسف وهابي: محام بهيأة الجديدة، مقال منشور بجريدة
الأخبار، عدد 427

تعليقات
إرسال تعليق