جريمة التأثير على الشهود

 

تعد شهادة الشهود وسيلة إثبات مفضلة و شائعة أمام القضاء الزجري، و يلعب الشهود دورا حاسما في توجيه مصير العديد من القضايا المدنية و الجنائية من خلال إثبات أو نفي وقائع مؤثرة في مراكز الخصوم و علاقتهم و اتفاقاتهم، لذالك كانت العدالة في حاجة دائمة إلى الشاهد كمفتاح حقيقي للعديد من الملفات و كخيط فاصل في العديد من النزاعات، و العدالة تحب في الشهود دائما حيادهم و صدقهم، و لكن الخصوم يكرهون خصلة الحياد في الشاهد و يلجؤون إلى كافة الطرق و الوسائل لتجريد الشاهد من هذه الصفة، و هنا كان لزاما على العدالة ألا تبقى مكتوفة الأيدي و كان مفروضا عليها أن تتدخل لحماية نفسها و الدفاع عن عيونها و أذانها، فنشأت جريمة التأثير على الشهود التي تنص عليها أغلب التشريعات المعاصرة، و منها التشريع الجنائي المغربي الذي أفرد لها الفصل 373 من القانون الجنائي كما يلي: " من استعمل الوعود أو الهبات أو الهدايا أو الضغط أو التهديد أو العنف أو المناورة أو التحايل لحمل الغير على الإدلاء بشهادة أو تصريحات أو تقديم إقرارات كاذبة في أية حالة كانت عليها الدعوى أو بقصد إعداد طلبات أو دفوع قضائية في أية مادة كانت يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاث سنوات، و غرامة  من مائة و عشرون إلى ألفي درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، سواء أدى تدخله إلى نتيجة أو لا، ما لم يكن فعله مشاركة في جريمة أشد من الجرائم المعاقب عليها بالفصول 369 و 370 و 372"
يتضح إذن أن هذا الفصل يبين بالتفصيل الوسائل المتعددة التي قد تستعمل في التأثير على الشهود بمختلف أصنافهم و التي تتراوح بين الترهيب و الترغيب، فهناك الشاهد دو النزعة المادية الذي يباع و يشترى و يسهل التأثير عليه بالهبات و الهدايا، و هناك الشاهد ضعيف الشخصية الذي يكفي الضغط عليه أو تهديده لينصاع و يطيع، و هناك الشاهد العنيد الذي يضطر الخصوم إلى استعمال العنف في حقه لإجباره على توجيه تصريحاته في هذا الاتجاه أو داك، و هناك الشاهد المغفل الذي يقع فريسة التحايل و المناورة فيصبح لعبة في أيدي الخصوم يتحكمون فيه كما يشاءوا...

و الواقع أن الشاهد يتحمل مسؤولية عظمى في الإدلاء بشاهدة صادقة وغير متحيزة لأحد من الخصوم و لا متحاملة على أي أحد منهما، و في سبيل ذلك قد يتحمل الشاهد عدة أعباء و مشاق فقد يتعرض لاعتداءات  و تهديدات لثنيه عن الإدلاء بشهادته، لذلك لا يتورع العديد من المتقاضين عن إدخال الشهود المشكوك في ولائهم في صلب شكاياتهم و دعاواهم و إنزالهم منزلة الخصوم حتى يتمكنوا من حرمانهم من الشهادة بذريعة وجود عداوة و خصومة معهم، مع أن الدافع هو احتمال أن يشهدوا ضدهم، بل إن الشاهد قد يصبح العدو رقم واحد بالنسبة إلى المتقاضي – و أكثر من الخصم نفسه – لأنه يرى فيه نصيرا لخصمه عليه، خاصة إذا كان هو وسيلة الإثبات الوحيدة في الدعوى بكافة مراحلها، انطلاقا من البحث التمهيدي و التحقيق و المحاكمة إلى غاية صدور الحكم.

أما بعد ذلك فإن الشاهد يبقى وحيدا في مواجهة قدره المحتوم و حظه المشؤوم، و تبقى شهادته كطرد ملغوم يمكن أن ينفجر في وجهه في أي وقت، إذ أن الشاهد قد يضل ملاحقا من طرف أحد الخصوم حتى بعد صدور الحكم في القضية، و يسعى هذا الشخص الحاقد على الشاهد إلى الإنتقام منه مستحضرا دائما صفته كشاهد شهد ضده، و هكذا قد يتعرض الشاهد بعد انتهاء القضية و طي الملق قضائيا إلى اعتداءات و تهديدات و استفزازات، و يجد نفسه في صراعات مع هذه التجاوزات كشخص عادي لا يمنحه القانون و لا يوفر له أية حماية تذكره بالخدمة الجليلة التي أداها أمام العدالة في يوم من الأيام، في زحمة الزحام، في قاعات ضيقة يسودها العرق و قلة النظام، و الخارج منها إما متذمر أو مصاب الزكام، و هكذا يكشف بأن العدالة تعاملت معه بشكل نفعي، فأحضرته دون ترحيب حين كان لحما و رمت به حين صار عظما، بينما المنطق و الإنصاف يقتضي حماية الشاهد أثناء تأديته لشهادته أو بسبب تأديته لهذه الشهادة، حتى لا يأتي علينا يوم نحتاج فيه إلى الشهود فننادي بصوت رخيم هل من شاهد؟ فلا يجيب الشهود مانعين الماعون، فارين من هذا النداء فرارهم من الطاعون...

يوسف وهابي: "جريدة الأخبار، العدد 385، الجمعة 14 فبراير 2014



-->

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك