سلطة القاضي في قبول الأدلة.

يتمتع القاضي الجنائي بسلطة واسعة في قبول جميع ومختلف الأدلة من أجل إثبات أية واقعة ذات أهمية في الدعوى العمومية. فالتثبت من وجود تلك الواقعة وتوافر أركانها وعناصرها يخضع بدوره لتقييم القاضي.[1]
فالقاضي الجنائي يحمل على عاتقه مهمة عظيمة وجسيمة تتمثل في فحص الأدلة وتقديرها ووزنها وترجيح كفة هذه الأدلة لمصلحة أحد طرفي الخصومة لإعطاء لكل ذي حق حقه بلا ميل أو حيف. وهذا ما يتطلب من القاضي أن يتحلى بالحياد والموضوعية فلا يميل إلى أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر.[2]
فلا يمكن أن يحتج على القاضي الزجري بأن دليلا ما لا يجوز له أن يستمد منه قناعته،[3] بل يمكن له أن يخرج عن نطاق الأدلة التي يقدمها أمامه الخصوم ليتخذ هو نفسه البادرة في البحث عن الأدلة التي توصله إلى الحقيقة. وله أن يكوّن اعتقاده بثبوت الجريمة من جميع ظروف الدعوى، لأن الوقائع الجنائية  ليست مما يحرر بها عقود أو يمكن الحصول من الجاني على اعتراف مكتوب بها مقدما. فلم يتبقى إلا إثباتها بكافة طرق الإثبات.[4]
فقبول أدلة الإثبات أو عدم قبولها ليس معناه وجوب الأخذ بها أو عدم الأخذ بها، وإنما ذلك يكون مرتبطا بمدى قوتها من ناحية الإثبات، ولا يكون ذلك إلا بعد تقديرها ووزنها.
فلقاضي الموضوع سلطة كبيرة في تقدير الأدلة والموازنة بينهما ليأخذ بما يطمئن إليه وجدانه منها ويطرح ما لم يطمئن إليه، وذلك كله دون رقابة عليه بل له مطلق الحرية فيما يعرض عليه منها، ووزن قيمتها التدليلية في كل حالة حسب ما يستفاد من وقائع كل دعوى وظروفها، من أجل تحقيق أسمى نتيجة وهي البحث عن الحقيقة. وفي ذلك يسلك القاضي أي سبيل يجده مؤديا إليها.
إلا أن القاضي وهو يمارس حريته في تقدير الأدلة، فهو مقيد في أن يكون تقديره سائغا ومنطقيا، فليس لقاضي الموضوع في تقدير أقوال الشهود أن يستند إلى ما يخرج عن مدلولها، أو يبني حكمه على أدلة ليس لها أصل في أوراق الدعوى. وهو مقيد كذلك في تقديره للدليل القانوني بالتأكد من توافر شروطه، فإذا توافرت شروطه كان ملزما بالأخذ بها.
وعليه فالقاضي الجنائي له سلطة تقديرية واسعة في استبعاد أي دليل لا يقتنع به، أي لا وجود لدليل يفرض عليه أن يستمد اقتناعه منه.[5]

قائمة المراجع 
[1]  - مأمون محمد سلامة، حدود سلطة القاضي الجنائي في تطبيق القانون، دار الفكر العربي، ص:87 (30).
[2]  - أورد المشرع ضمانات الحياد في المادة 273 (ق.م.ج)، التي تحدد حالات تجريح قضاة الحكم.
[3]  - ما عدا في الحالة التي يحدد فيها المشرع نوع الدليل الذي يجب الاعتماد عليه،كما فعل في الفصل 493 من القانون الجنائي المغربي، حيث جرد القاضي من حريته في الإثبات عندما يتعلق الأمر بجريمتي الفساد والخيانة الزوجية المنصوص عليهما على التوالي في الفصلين 490 و491 من القانون الجنائي المغربي.
[4]  - هلالي عبد الالاه أحمد، النظرية العامة للإثبات الجنائي - دراسة مقارنة - بدون الطبعة والسنة، دار النهضة العربية، ص:138(8).
[5]  - مع مراعاة الاستثناءات الواردة على حرية القاضي في الاقتناع.أنظر الصفحة 23 وما بعدها من هذا البحث.
-->

تعليقات

إرسال تعليق

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك