الطبيعة الخاصة للجرائم المعلوماتية.


إن تحديد الطبيعة الخاصة للجريمة المعلوماتية يقتضي تعريفها (أولا)، وتحديد موضوعها (ثانيا)، وإبراز خصوصياتها المميزة (ثالثا).
إذا كان هناك اختلاف حول تعريف الجريمة المعلوماتية كظاهرة مستحدثة وأن موضوعها يختلف حسب نوعية الإعتداء موجه ضد أحد مكونات النظام المعلوماتي أو وسيلة لتنفيذ جرائم معينة، وأخيرا كظاهرة إجرامية ذات طبيعة خاصة لها ذاتيتها، ولذلك فإننا سنتناول ذلك بالتفصيل على الشكل التالي:
§       أولا: تعريف الجريمة المعلوماتية.
§       ثانيا: موضوع الجريمة المعلوماتية.
§       ثالثا: خصوصية الجريمة المعلوماتية.


أولا: تعريف الجريمة المعلوماتية.

يلاحظ عدم وجود اتفاق على مصطلح معين للدلالة على هذه الظاهرة المستحدثة، فهناك من يطلق عليها الغش المعلوماتي، أو الإختلاس الملعوماتي أو الجريمة المعلوماتية.[1] ونظرا لصعوبة إعطاء تعريف لهذه الظاهرة الإجرامية وذلك حصرها في مجال ضيق.
ومن هذه التعاريف: "الجريمة المعلوماتية تشمل أي جريمة ضد المال مرتبط باستخدام المعالجة الآلية للمعلوماتية".[2]
بينما أعطى خبير أمريكي مفهوما موسعا للجريمة المعلوماتية وقال: "كل فعل إجرامي متعمد أيا كانت صلته بالمعلوماتية، ينشأ عنه خسارة تلحق بالمجني عليه وكسب يحققه الفاعل".
ويعرفها مكتب تقييم التقنية في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تعريف جرائم الحاسوب بأنها "الجرائم التي تلعب فيها البيانات الكومبيوترية والبرامج المعلوماتية دورا رئيسيا". وكذلك تعريف "David Tnompson" بأنها: "أية جريمة يكون متطلبا اقترافها، أن تتوفر لدى فاعلها معرفة تقنية للحاسب"[3].
هناك جانب من الفقه الفرنسي، يحاول وضع تعريف لظاهرة الغش المعلوماتي حيث يرى الأستاذ "Massa" أن المقصود بها: "الإعتداءات القانونية التي ترتكب بواسطة المعلوماتية بغرض تحقيق الربح". وفي الغالب ترتكب الجريمة المعلوماتية ليس بغرض تحقيق الربح، وإنما بدافع الإنتقام والسخرية من المنافسين أو غير ذلك من الدوافع.
ويعرفها الأساتذة "Lestan & Vivant" بأنها: "مجموعة من الأفعال المرتبطة بالمعوماتية والتي يمكن أن تكون جديرة بالعقاب". ويؤكد الأستاذ "Devéze" أنه ليس المقصود مجرد إخفاء وصف قانوني، ولكن وضع مفهوم إجرامي، والذي سيكون من الممكن أن يطبق عليه أحد التعاريف المعمول بها في القانون المدني أو الجنائي أو المالي.[4]
بينما يعرف الفقيه الألماني تاديمان الجرائم المعلوماتية بأنها "كل أشكال السلوك غير المشروع أو الضار بالمجتمع الذي يرتكب باستخدام الحاسب".
ومن خلال هذه التعريفات يتضح أنها عمومية بحيث لا يمكن السيطرة عليها، بحيث كل تعريف ينظر إلى الجرائم المعلوماتية من زاوية معينة تختلف عن أخرى.
لعل من هذه التعريفات الموسعة ما يقوله الفقيهان "Miche, Cerdo" من أن سوء استخدام الحاسب أو جريمة الحاسوب تشمل استخدامه كأداة لارتكاب الجريمة، بالإضافة إلى الحالات المتعلقة بالولوج غير المصرح به لحاسب المجني عليه أو بياناته، كما تمتد جريمة الحاسوب لتشمل الإعتداءات المادية، وسواء كان هذا الإعتداء على جهاز الحاسوب ذاته أو المعدات المتصلة به، وكذلك الإستخدام غير المشروع لبطاقات الإئتمان، وانتهاك ماكينات الحسابات الآلية، بما تتضمنه من شبكات تمويل الحسابات المالية بطريقة إلكترونية، وتزييف المكونات المادية والمعنوية للحاسب بل وسرقة جهاز الحاسب في حد ذاته أو مكون من مكوناته.[5]
أما بالنسبة للفقه العربي فهناك من يرى أن تعريف الجريمة الملعوماتية هي "كل فعل أو امتناع عمدي، ينشأ عن الاستخدام غير المشروع لتقنية المعلومات ويهدف إلى الإعتداء على الأموال والحقوق المعنوية".
هناك فريق آخر يرى أن الجريمة المعلوماتية هي: "عمل أو امتناع يأتيه أضرارا بمكونات الحاسوب. وشبكات الإتصال الخاصة به، التي يحميها قانون العقوبات يفرض له عقابا".[6]

ثانيا: موضوع الجريمة المعلوماتية.

يختلف موضوع الجريمة المعلوماتية بحسب اختلاف الزاوية التي ينظر فيها إزاء الإعتداء الموجه ضد أحد مكونات النظام المعلوماتي، فمن ناحية قد يكون هذا الأخير نفسه موضوع للجريمة المعلوماتية، ومن ناحية قد يكون النظام المعلوماتي هو وسيلة للجريمة المعلوماتية وأداة تنفيذها.
أ ـ كون النظام المعلوماتي موضوعا للجريمة المعلوماتية.
في هذه الحالة إن جرائم المعلوميات بمعناها الفني التي تتفق مع الجرائم التقليدية البحثة، فمن ناحية نجد أن مجل الجريمة المعلوماتية في حالة وجود اعتداء على المكونات المادية للنظام المعلوماتي (كالأجهزة والمعدات المعلوماتية وغيرها) يتمثل في جرائم سرقة أو إتلاف هذه المكونات والمتمثل في الحاسبات أو شاشات أو شبكة الإتصال الخاصة أو حتى آلات الطبع المرفق بها.[7]
من ناحية أخرى، إذا كان الإعتداء موجه إلى مكونات غير مادية للنظام المعلوماتي، (كالبيانات والبرامج) مثل جرائم الإعتداء على البيانات المخزنة في ذاكرة الحاسوب أو البيانات المنقولة عبر شبكات الإتصال المختلفة والتي تتمثل في جرائم السرقة أو التقليد أو الإتلاف أو محو وتعطيل هذه البيانات، أو كان الإعتداء ذاته موجه إلى برامج الحاسوب من خلال تزوير المستخرجات الإليكترونية وإفشاء محتوياتها وما اصطلح على تسميته "بسرقة ساعات عمل الحاسوب".[8]
ب ـ كون النظام المعلوماتي هو أداة الجريمة المعلوماتية ووسيلة تنفيذها.
ففي هذه الحالة، ليس هناك أدنى شك أننا بصدد جرائم تقليدية، يكون فيها النظام المعلوماتي أو جهاز الحاسب الآلي هو أداة ارتكاب الجريمة المعلوماتية ووسيلة تنفيذها، ومن هذه الناحية، نجد أن الجاني يمكن استخدام الحاسب الآلي لارتكاب جرائم السرقة أو النصب أو خيانة الأمانة أو تزوير المحررات المعلوماتية، وذلك عن طريق التلاعب في الحاسوب وكذلك النظام المعلوماتي بصفة عامة. [9]

ثالثا: خصوصية الجريمة المعلوماتية.

رغم أن البحث يدور حول نطاق تطبيق نصوص القانون الجنائي، إلا أنه وكما يبدو أننا بصدد ظاهرة إجرامية ذات طبيعة متميزة تتعلق غالبا بما يسمى بالقانون الجنائي المعلوماتي.
ففي معظم حالات ارتكاب الجريمة المعلوماتية نجد أن الجاني يتعمد التدخل في مجالات النظام المعلوماتي المختلفة ومنها:
أ ـ مجال المعالجة الإليكترونية للبيانات:
يتدخل الجاني من خلال ارتكاب الجريمة المعلوماتية في مجال المعالجة الإليكترونية الآلية للبيانات سواء من حيث تجميعها أو تجهيزها حتى يمكن إدخالها إلى جهاز الحاسوب وذلك بغرض الحصول على معلومات.
ب ـ مجال المعالجة الإلكترونية للنصوص والكلمات الإلكترونية.
يتدخل الجاني في مجال المعالجة الإلكترونية للنصوص والكلمات وهي طريقة أتوماتيكية تمكن مستخدم الحاسوب من كتابة الوثائق المطلوبة بدقة متناهية بفضل الوسائل التقنية الموجودة تحت يده وبفضل إمكانيات الحاسوب، من تصحيح وتعديل ومحو وتخزين وطباعة واسترجاع وطباعة وهي إمكانيات لها علاقة وثيقة بارتكاب الجريمة، إذ ينبغي ألا ننسى من أننا نتعامل مع مفردات جديدة كالبيانات والبرامج.
وظاهرة الجريمة المعلوماتية تهتم بصفة خاصة بالمجال المصرفي، وتفتح هذه الثورة المعلوماتية مجالا جديدا لخلق أدوات جديدة في المعاملات التجارية، فإذا كان التعامل والإثبات ينحصر في المستند الورقي، فإنه أصبحت الآن تسجيلات إلكترونية ومحررات إلكترونية أو سند شحن، وكذلك فإن المستخرجات لها قيمة في الإثبات، بجانب المستند الورقي. ويشهد الواقع العملي تقدم مذهل في عالم اليوم نحو الإعتماد على الوسائل الحديثة في الإثبات إذ كان ذلك لا يمنع من وجود وسائل الإثبات التقليدية بشرط أن ينظم المشرع الحديث هذه المسائل من خلال نصوص تشريعية[10] تعالج هذا الأمر، وبالمثل فإن الجريمة المعلوماتية تتعلق بكل سلوك غير شرعي أو غير مسموح به نحو الولوج إلى المعالجة الآلية للبيانات أو نقلها، ومن ثمة فإن هذه المعالجة غير الشرعية تجعلنا في صدد القانون الجنائي والتي تعتبر معظم نصوصه التقليدية عاجزة عن مواجهة هذا التطور التكنولوجي والمعلوماتي.

قائمة المراجع:


[1] - محمد علي العريان: "الجرائم المعلوماتية". دار الجامعة الجديدة للنشر. طبعة 2004. ص: 43.
[2] - مشار إليه لدى: محمد سامي الشوا: "ثورة المعلومات وانعكاساتها على قانون العقوبات". دار النهضة العربية، القاهرة. 1994. ص: ..
[3] - عن موقع: WWW.Google.Com  جرائم المعلوميات وتعريفاتها.
[4] - هذه التعاريف أوردها محمد علي العريان: المرجع السابق، ص: 44.
[5] - أورده محمد علي العريان: المرجع السابق، ص: 45.
[6] - محمد علي العريان: المرجع السابق، ص: 46.
[7] - محمد علي العريان: المرجع السابق، ص: 46.
[8] - موقع: WWW.ARABLAW.ORG
[9] - محمد علي العريان: المرجع السابق، ص: 47.
[10] - محمد علي العريان: المرجع السابق، ص: 48.
-->

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك