المساواة بين الرجل والمرأة: ضمانة لتماسك الأسرة، أم وسيلة لهدمها ؟


إذا كانت مسألة مساواة المرأة بالرجل قد أثيرت بعد قيام الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، ثم في القرن العشرين، وذلك من خلال وثيقة هيئة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمؤتمرات الخاصة بالمرأة. فإن هذه الوثائق والعهود والمؤتمرات حينما تتحدث عن المساواة بين الرجل والمرأة، فإنها تقصد المساواة التامة بينهما في جميع ميادين ومجـالات الحياة دون استثنـاء أو مراعاة للاختلافات في التكوين البيولوجي للمرأة وفطرتها وطبيعتها التي خلقهـا الله عز وجل عليها، وهذا يدل على أن المرأة الغربية كانت تعاني كثيرا من الإهمال والتمييز في المعاملة والحقوق وفي سائر أمور الحياة([1]).
ولكن رغم التغيير الذي عرفته القـوانين المتعلقة بالمرأة الغربية والذي ترتبت عنه عدة آثار منها على الخصوص تطور مفهوم حقوق الإنسـان والمبالغة في التركيز على الحرية الفردية، فإن ذلك أدى أيضا إلى تغيير نظرة الفرد إلى التزاماته الأسرية واستخفافه بها، " فبعد أن كان يعتبرها جزءا من حياته ولا يعيش بدونها أضحى ينظر إليها كقيود ثقيلة لا يتحملها إلا عن مضض وربما اعتبرها مهينة "([2]).


وخلال بداية النصف الثاني من القرن الماضي توالت التعديلات على القوانين المنظمة للأسرة بالدول الغربية التي تسير في اتجاه الاتفاقيات الدولية الهادفة إلى تحقيق المساواة المطلقة بين الجنسين، وتدعيم مبادئ حقوق الإنسان داخل المجتمع الأوربي، ووضع حد نهائي لعدم المساواة بين الزوجين وتمتيعهما معا بسائر الحقوق والالتزامات الأسرية بدءا من إبرام عقد الزواج الذي أصبح عقدا رضائيا بالمعنى الكامل للكلمة، سواء بالنسبة للرجل أو بالنسبة للمرأة. وفيما يتعلق بالطلاق، فلم يعد طلبه يتوقف على وجوب إثبات وقائع محددة أمام القضاء، كثبوت خطأ أحد الزوجين أو بسبب الخيانة الزوجية... وإن تم التراجع في هذه القيود المتشددة، وأصبح من حق أي من الزوجين الذي لا يرغب في الاستمرار داخل إطار العلاقة الزوجية أن يطالب بالطلاق لمجرد الشقاق المستمر، وذلك بعدما أصبح الوفاء الذي كان يعتبر من الواجبات المتبادلة بين الزوجين لا يشكل إلا التزاما أدبيا فرديا، وكل ذلك في إطار تدعيم مبدأ المساواة واحترام الحياة الخاصة بالفرد.
وقد أدى هذا إلى فتح الباب على مصراعيه لشيوع الاتصال الجنسي خارج إطار الزوجية، الأمر الذي انعكس على الأسرة بمفهومها القانوني، وعلى صفتها كمؤسسة اجتماعية يرعاها ويحميها القانون وأصبحت نتيجة ذلك مجرد اجتماع نفعي تقوم فيه الحرية الفردية بالدور الأساسي، وهذا ما أثر على التنظيم الأسري في الحضارة الغربية، وأدى بها إلى الانهيار تقريبا لانتفاء القيود والضوابط الخلقية والروابط الاجتماعية وتفسخ العلاقات الأسرية والزوجية([3]).
وهذا ما حاولت وثيقة بكين تأكيده، فهذه الوثيقة وإن كانت تبدو في ظاهرها وكأنها تدعو إلى مبادئ الحق والحرية والمساواة، غير أنها في الواقع تعمل على ترسيخ الإباحية الجنسية، وإقصاء دور الدين والقيم الأخلاقية في مجال تربية الأفراد، ومحاولة توطيد الثقافة الغربية العلمانية في مختلف شعوب العالم، رغم اختلاف الرؤى والقيم والثقافات وتعدد الحضارات([4]).
فإذا كان مؤتمر بكين قد دعا إلى تمكين المرأة من المساواة المطلقة مع الرجل وتماثلها به، فإن الأمر لا يعدو أن يكون إلا مجرد حق يراد به باطل. فشعار حرية المرأة والمساواة والتنمية والسلم الذي تم الإعلان عنه في مؤتمر بكين ليس إلا ستارا براقا اتخذه الغرب انطلاقا من إمكانياته الاقتصادية والسياسية والثقافية لغرض هيمنته على باقي المجتمعات لإرغامها على تبني ثقافته اللائكية التي من بين أهدافها وضع إطار قانوني للإباحية والإجهاض والشذوذ الجنسي.
وهذا ما يوضح أن هذه الوثيقة تدعو إلى تشريع أنواع وأشكال لأسر جديدة لا تخضع لأي معايير دينية أو أخلاقية، الأمر الذي يؤدي إلى تفككها وانهيار ثوابتها بعدما فقدت مفهومها القانوني والسوسيولوجي واتخذت أشكالا أخرى. وانطلاقا من ذلك يحاول الغرب ربط المضامين الواردة في مؤتمر بكين والمبادئ الواردة في الاتفاقيات الدولية لترسيخ المشروع الحضاري القائم على كونية حقوق الإنسان وتوظيف ذلك للتأكيد على الطابع الكوني لحقوق المرأة، وإلغاء الخصوصيات الحضارية لكل مجتمع من أجل اختراق النظام الأسري، وإقرار نظام أسري علماني قوامه القانون الوضعي والمساواة المطلقة والتماثلية بين الزوجين في الحقوق والالتزامات الذي مهدت له المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وهكذا باسم المساواة المتماثلة بين الرجل والمرأة التي ترسخت في المجتمعات الغربية " ألغت كل الامتيازات التي كانت للرجل كزوج وكأب، وأصبح هو والمرأة متساويين في جميع الحقوق والالتزامات والمسؤوليات "([5])، وقد أثر ذلك سلبيا على مقومات الأسرة وأدى إلى تفككها، فتزايدت نسبة المعاشرة الحرة والعزوف عن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق، وتزايد عدد الأطفال الطبيعيين([6]).
ولذلك لم يعد في الدول الأوربية عقد الزواج هو المؤسس للحياة الزوجية وإنما أصبحت الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية تقوم على المعاشرة الحرة وخارج أي رباط قانوني.
إذن فالمبالغة في حقوق الفرد وحريته، قد أدى على تخلي الأفراد نهائيا عن التزاماتهم إزاء الأسرة التي فقدت بذلك صفتها كمؤسسة اجتماعية وتحولت إلى اجتماع نفعي لا يتوفر على أدنى قسط من القيم الأخلاقية. وفي المقابل فإن أوضاع الأسرة في المجتمعات الإسلامية لن تنجو هي الأخرى من التفكك إذا ما بقيت السلطة الذكورية بها هي المهيمنة على العلاقات الاجتماعية بين الزوجين إلى جانب استمرار تشبث الأفراد بالأعراف والتقاليد الموروثة المتعارضة مع أهداف ومقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى إقرار العدل بين الأفراد ونبذ الظلم والجور بمختلف أشكاله فيما بينهم.
وانطلاقا من ذلك، لا يمكن تحقيق أي توازن متكامل يهم التنظيم الأسري إذا لم يوضع حدا لطغيان الحرية الفردية التي أعطيت للفرد في الغرب، ولم يقع التركيز على جانب القيم الأخلاقية التي لا يمكن الاستغناء عنها في توازن الأسرة واستقرارها.
وفي نفس الاتجاه، يجب العمل على نشر الوعي الفردي والاجتماعي لتحرير العقليات من التصورات الموروثة البعيدة عن الدين الحنيف ولا تربطها أي صلة بقيمه الإنسانية النبيلة.

سناء زعيمي منصور:"الوضع القانوني للمرأة بين الكونية و الخصوصية"، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، السنة الجامعية 2005/2006، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية  ظهــــر المهــراز – فاس -، ص 73-76.
                                                                    


[1] - انظر في هذا الشأن د. فؤاد بن عبد الكريم بن عبد العزيز العبد الكريم : " العدوان على المرأة في المؤتمرات الدولية "، الطبعة
    الأولى، 21426-2005م، ص 191.
[2] - أحمد الخمليشي : " وجهة نظر "، الجزء اثاني، دار نشر المعرفة، بدون طبيعة، 1998، ص 42.
[3] - انظر جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 6109، بتاريخ 2 ماي 2000.
[4] - انظر نص الوثيقة الختامية لمؤتمر بكين، منشورة ب " مجلة قضايا دولية "، عدد خاص رقم 300/1995، ص 6-9.
[5] - أحمد الخمليشي : " وجهة نظر "، الجزء الأول، مرجع سابق، ص 228.
[6] - انظر في هذا الشأن، سعيد الوردي وآخرون : " الأسرة الغربية الحديثة "، عرض ألقي في مادة تاريخ الأسر، تحت إشراف
    ذ. عمرو لمزرع، في السنة الأولى من دبلوم الدراسات العليا المعمقة، وحدة التكوين والبحث : " الأسرة والطفولة "، الموسم
    الجامعي 04/2003، وهو غير منشور.

-->

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك