القتل العمد في القانون المغربي (الجزء الأول).

القتل العمد في صورته العادية.

القتل العمد هو إزهاق إنسان قصدا روح إنسان آخر، و تختلف ظروف ارتكاب القتل العمد من حالة إلى أخرى، فقد يرتكب في صورته العادية و قد يقترن بظروف التشديد أو بعذر من الأعذار القانونية المخففة.
و تنص المادة 392 من القانون الجنائي على أنه " كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا و يعاقب بالسجن المؤبد"، و عليه تقوم جريمة القتل العمد بتوافر ركنين: الركن المادي و الركن المعنوي.

أولا: الركن المادي لجريمة القتل.

يقوم الركن المادي في جريمة القتل على ثلاث عناصر: نشاط مادي (فعل الاعتداء) و نتيجة إجرامية و هي إزهاق روح المجني عليه، و رابطة السببية بين الفعل و الاعتداء على الحياة و وفاة المجني عليه.


أ‌-        النشاط المادي أو فعل "الاعتداء على الحياة" .

يتطلب القتل لتحقيقه سلوكا إراديا  ملموسا في العالم الخارجي من شأنه إحداث الموت إذا تحققت النتيجة (الوفاة) كانت جريمة القتل تامة، و إن لم تتحقق لأسباب خارجية عن إرادة الجاني كانت الجريمة محاولة أو شروعا.
ولا يشترط في القتل العمد أن يؤتى بوسائل معينة، و يتخذ فعل الاعتداء صورة إيجابية كما قد يتخذ صورة سلبية (شرط أن تحقق رابطة السببية بين فعل الاعتداء و نتيجة الوفاة). و سواء ارتكبه الجاني بنفسه مباشرة أم بصورة غبر مباشرة.
و متى كان نشاط الجاني كافيا عادة لإحداث الموت فإنه يعتبر قرينة على وجود نية القتل – ما لم يثبت المتهم العكس- أما إذا كانت وسيلة الاعتداء على الضحية غير كافية عادة لإحداث الوفاة و ترتب عنها مع ذلك الموت فإن على النيابة العامة أن تثبت وجود نية القتل لدى الجاني و إلا كانت الجريمة مجرد ضرب أو جرح أو عنف أفضى إلى الموت (المدة 403 من ق.ج).

ب‌-     النتيجة الإجرامية (وفاة المجني عليه).

تعتبر الوفاة كنتيجة أمرا لازما لقيام جريمة القتل العمد و لا تغني عنها نتيجة أخرى مهما كانت جسيمة. و لا يشترط حصول الوفاة عقب السلوك الإجرامي مباشرة و إنما قد يتحقق ذلك إثر النشاط وقد يتراخى تحققه زمنا.
      و في حالة تحقق وفاة المجني عليه مع وجود علاقة سببية بين هذه النتيجة و النشاط الإجرامي للجاني، و ثبوت القصد الجنائي فإن جريمة القتل العمد تتحقق لكن إذا لم تتحقق هذه النتيجة (أي الوفاة) حيث أوقفت أو خاب أثرها لأي سبب خارج عن إرادة الجاني فإننا نكون بصدد محاولة قتل أو شروع في القتل. أما إذا لم تتحقق النتيجة لسبب ما، كان لإرادة الجاني فيه دخل بحيث أوقف نشاطه أو خيب أثره – متى كان ذلك ممكنا – فإننا نكون بصدد حالة عدول اختياري عن الجريمة ينتفي معها وجود الشروع "في القتل" قانونا طبقا لنص المادة 114 من القانون الجنائي. 
أما إذا تحققت نتيجة الوفاة مع انتفاء القصد الجنائي لدى الجاني لإحداثها فإننا نكون بصدد ضرب أو عنف أو جرح أفضى إلى موت.
و لما كانت جريمة القتل العمد مرتبطة لزوما بنتيجة وفاة المجني عليه فإن هذه الجريمة لا يمكن أن تقع إلا على إنسان حي و يترتب على ذلك أن الشخص الذي فارق الحياة لا يمثل موضوعا لهذه الجريمة، كما يخرج عن نطاقها الجنين في بكن أمه حيث لم يكتسب وصف الإنسان الحي بعد، و الجريمة التي تتحقق في هذه الحالة هي الإجهاض و ليس القتل العمد – إذا ارتكب عمدا-.
و إذا تحققت نتيجة الوفاة و لكن مع اتحاد الفاعل (الجاني) و الضحية (المجني عليه) بمعنى أن يكون شخصا واحد فإننا نكون بصدد واقعة انتحار و هي واقعة لا يتصور العقاب على تنفيذها و كذلك محاولتها. بينما يمكن معاقبة من اشترك فيها بمعنى من ساعد شخصا على الانتحار بمقتضى المادة 407 من القانون الجنائي التي تنص على أنه: " من ساعد عن علم شخصا في الأعمال المحضرة أو المسهلة للانتحار أو زوده بالسلاح أو السم أو الأدوات للازمة للانتحار، مع علمه بأنها ستستعمل لهذا الغرض يعاقب في حالة وقوع الانتحار بالحبس من سنة إلى خمس".

ج- العلاقة السببية بين فعل الاعتداء و نتيجة الوفاة.

لا يكفي لقيام الركن المادي في جريمة القتل – و هي من جرائم النتيجة – أن يقوم الجاني بفعل أو امتناع و أن تحمل النتيجة و هي الوفاة، بل لا بد أن تقوم علاقة أو رابطة سببية بين السلوك المجرم و النتيجة الضارة، أي أن تربط النتيجة الإجرامية ( وهي موت الضحية ) بنشاط الجاني ارتباط السبب بالمسبب أو العلة بالمعلول.
ولا تثير رابطة السببية إشكالا إذا كان فعل الاعتداء من طرف الجاني هو السبب الوحيد نتيجة الوفاة ولكن الأمر صعب في حالة تعدد العوامل و الأسباب المساهمة في إحداث النتيجة و تشابكت مع فعل الاعتداء مجموعة من الظروف التي يصبح معها الوقوف على السبب الحقيقي للوفاة غاية في الصعوبة.
و لبحثه في مشكلة السببية اعتمد الفقه اتجاهات عديدة: اتجاه السببية المباشرة، اتجاه السببية الملائمة أو المناسبة و اتجاه تعادل الأسباب. و الأرجح في مجال التطبيق ترك أمر استخلاص العلاقة السببية لقاضي الموضوع يبحث عنها في كل قضية حسب وقائعها و ملابساتها حسب بيان الوقائع التي استنبط منها وجود أو انتفاء العلاقة السببية حتى يتأتى لقاضي النقض أن يراقب سلامة الاستنتاج الذي انتهى إليه قاضي الموضوع من الوقائع الثابتة أمامه.

ثانيا: الركن المعنوي في جريمة القتل العمد.

لا يتحقق القصد الجنائي في جريمة القتل العمد إلا إذا توافر عنصر العلم و الإرادة.
-         فلابد أن يكون الجاني على علم بجميع الوقائع و الظروف التي أحاطت بارتكاب الجريمة و هذا يقتضي أن يكون عالما بأنه يوجه فعل الاعتداء إلى إنسان حي و أن هذا الفعل يشكل خطورة على حياة المجني عليه و أن من شأنه إحداث وفاة.
-         ولابد أن يثبت بأن إرادة الجاني اتجهت إلى إتيان الفعل المكون لها و إلى تحقيق النتيجة المترتبة عنها.
و هناك حالات تتحقق فيها جريمة القتل العمد رغم انتفاء القصد الجنائي و هي:
-    حالة اتجاه نية الفاعل إلى ارتكاب القتل لكن دون تحديد لشخص معين (قنبلة).
-    حالة وقوع الجاني في غلط أو خطأ في شخص المجني عليه (الشبه).
-    إذا كان الباعث لدى الجاني بريئا و نبيلا بحد ذاته (القتل الرحيم).
-   إذا افترض القانون وجود نية القتل لدى الفاعل و لو انتفت واقعيا لديه (حالات السكر، تعاطي المواد المخدرة، الغضب و الانفعال الشديد: المادة 137 من القانون الجنائي و كذلك جرائم الإحراق و التخريب العمدي إذا ترتب عنها موت شخص أو أكثر.
و توافر نية القتل أو انتفائها هي مسألة موضوعية تستخلص من الوقائع التي يختص بتقديرها و البت فيها قاضي الموضوع تبعا لكل قضية و ملابساتها.

الأستاذة: صليحة بوعكاكة "ملخص محاضرات في القانون الجنائي الخاص"  ، الكلية متعددة التخصصات بتازة، ص 30- 34.


-->

تعليقات

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك