قبل أن نخوض في دراسة مفهوم التوقف عن الدفع و ما يثيره
من إشكالات نرى أن نعرض بداية أهميته و التي تتجلى في كونه:
- التوقف عن الدفع شرط جوهري لتطبيق مساطر المعالجة، و
بمعنى آخر يعد الشرارة الأولى لانطلاق مسطرة التسوية القضائية و التصفية القضائية،
و قد أكد ذلك القضاء المغربي في عدة مناسبات.
- يعتبر شرط التوقف عن الدفع عند الحلول شرطا لازما و
لا غنى عنه لتجديد فترة الريبة و مصير التصرفات التي يجريها المدين في هذه الفترة.
و تبرز أهمية التوقف عن الدفع ليس فقط لكونه الشرط
الجوهري لفتح المسطرة كما سبق و لكن بما يرتب عند تحققه من التزامات على المقاول
حيث يلزم رئيسها بطلب فتح المسطرة داخل خمسة عشر يوما الموالية لتاريخه. كما تبرز
أهميته على مستوى مصالح الأغيار الذين يتعاملون مع المقاولة حيث من خلالها يتعرفون
على مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. بل إن بعض الأغيار من قبل المؤسسات
الائتمانية مدعومة أكثر من غيرها لرصد وضعية زبنائها إزاء هذا المفهوم حيث تعتمد
عليه لتتخذ موقفا بالسلب أو الإيجاب من طلبات التمويل التي تتلقاها منهم تحت طائلة
قيام موجب لمساءلتها عن كل تمويل تعسفي.
كما تظهر أهمية التوقف عن الدفع من حيث اعتبارها حدث خطيرا
في حياة المقاولة و أزمة حادة تصيب كيانها و يمثله البعض بالأزمة القلبية، قد
تتجاوزها بسلام و قد تقضي عليها نهائيا.
سنناقش موضوع التوقف عن الدفع في محورين، مفهوم التوقف
عن الدفع في المحور الأول، و المقصود بالديون المتوقف عن دفعها في المحور الثاني.
-->
أولا: مفهوم التوقف عن الدفع.
1- موقف الفقه: هناك نظريتان تناولتا تحديد مفهوم التوقف
عن الدفع و هما:
- النظرية التقليدية: و هي نظرية قانونية صرفة بحيث
أنها وقفت عند ظاهرة النص و تعتبر التوقف عن الدفع هو مجرد الامتناع أو رفض أداء
الديون بل مجرد عدم أداء الديون في تاريخ أو أجل الاستحقاق، أي أن التوقف عن الدفع
يتحقق إذا لم يؤد المدين ما بذمته بقطع النظر عن سبب هذا التوقف و لو كان المدين
مليء الذمة أي بغض النظر عن عسر أو يسر الشركة أو التاجر المتوقف عن الدفع.
- النظرية الحديثة: وهي عكس الأولى نظرية اقتصادية و هي
الراجحة فقها و قضاءا و تشريعا و مفاد هذه النظرية، التي تتجاوز ظاهرة النص و تقف
عند الحدود الخارجية للامتناع يتجلى في ضرورة البحث عن أسباب و دوافع التوقف عن
الدفع و في المركز المالي الحقيقي للمدين المتوقف أي أنها ترى أن التوقف عن الدفع
يكون حاصلا عندما لا يستطيع المدين أداء ما بذمته أي أنه معسر.
2- موقف المشرع المغربي من التوقف عن الدفع:
كانت المادة 197 من القانون التجاري القديم لسنة 1913
تنص على ما يلي: "كل تاجر توقف عن أداء ديونه يعتبر في حالة إفلاس..." و
عليه فقد كان القانون القديم بمناسبة تطبيق نظام الإفلاس على التجار يشترط الصفة
مع التوقف عن الدفع الاعتداد بسبب هذا التوقف أهو توقف إظطراري أم إرادي؟
أما التشريع
التجاري الجديد فإنه لم يعد يستوجب مجرد التوقف عن الدفع كشرط لفتح مساطر المعالجة
بل حدد طبيعته و سببه، هكذا تطالعنا المادة 560 بنصها الذي جاء فيه:" ليس
بمقدورهم سداد الديون المستحقة عليهم عند الحلول..." و عليه يكون المشرع
المغربي قد أخذ بالنظرية الحديثة الاقتصادية التي تتجاوز ظاهرة الامتناع إلى الغوص
في المركز المالي للمقاولة المدينة و ما لحق ذمتها المالية من خصاص أو عجز يجعلها
فعلا غير قادرة على أداء الديون المستحقة عند الحلول.
وبذلك يكون المشرع المغربي قد أقر مبدءا مرنا يتماشى مع
طبيعة المعالجة متجاوزا المفهوم الكلاسيكي للتوقف عن الدفع دون الاعتداد بقدرة
المدين على ذلك من عدمه. و هذا الاتجاه الإيجابي هو ما وصل إليه القضاء الفرنسي
حيث جاء في قرار محكمة النقض الفرنسية: " مجرد الامتناع عن دفع دين واحد أو
مجموعة ديون تجارية لا يكفي وحده لاعتبار تاجر في مركز مالي ميؤوس منه و بدون
مخرج، و هذا ما وصل إليه القضاء المغربي أيضا حيث قضت محكمة الاستئناف التجارية
بالدار البيضاء بتاريخ 24/12/2004 أن: " مجرد توصل المدعية بإنذار من أحد
دائنيها لمطالبتها بأداء دين ترتب بذمتها لا يمكن أن ينهض دليلا على أنها عاجزة عن
الدفع و أن عجزها هذا نتيجة لاختلال في موازنتها المالية و أنه ليس بالملف ما يفيد
أن المقاولة عاجزة عن الأداء وفق مفهوم المادة 560 من مدونة التجارة و أنه بانتفاء
التوقف عن الدفع باعتباره شرطا موضوعيا و أساسيا لفتح المسطرة يبقى طلب المدعية
غير قائم على أساس و بالتالي عرضته للرفض ...".
و نعتقد أن المشرع المغربي، على غرار المشرع الفرنسي
يعتبر في حالة توقف الدفع المقاولة التي تكون أصولها المتوفرة غير كافية لتغطية
خصومها.
ثانيا: المقصود بالديون المتوقف عن دفعها.
إن المادة 560 من مدونة التجارة لم تحدد الديون الواجب
أدائها. لكن المادة 563 من نفس القانون نصت على ما يلي: " يمكن فتح المسطرة
بمقال افتتاحي للدعوة لأحد الدائنين كيفما كانت طبيعة دينه "، فكل دين حل
أجله و لم يؤدى يكون قد تحقق في حقه التوقف عن الدفع، سواء كان الدين تجاريا أو
مدنيا و دون اعتداد بمبلغه أو مقداره، أو بضرورة تعدد الديون غير المؤداة و دون
تمييز بين ما إذا كانت هذه الديون عادية أو ممتازة.
و عليه فلا يشترط في الذين المتوقف عن دفعه إلا أن يكون
الدين ( المدني أو التجاري) محقق الوجود و ثابتا و معين المقدار و خاليا من النزاع
حول و جوده أو مقداره.
- تاريخ الاعتداد بالتوقف عن الدفع: و هو يوم صدور الحكم
بفتح مساطر المعالجة، و عليه إذا رفعت دعوى و أثناء سريانها بادر المدين إلى سداد
ديونه قبل صدور الحكم فإن حالة التوقف عن الدفع تزول و بالتالي يزول أحد الشروط
الموضوعية الأساسية للحكم بفتح المساطر. و حتى إذا صدر الحكم و تم استئنافه و خلال
الاستئناف سددت الديون فإن حالة التوقف تزول أيضا.
- إثبات عدم القدرة على الدفع: على من يقوم بطلب فتح
مساطر المعالجة أن يثبت عدم القدرة عن الدفع و وسائل الإثبات هنا تختلف حسب طبيعة
الدين فإذا كان الدين مدنيا فإننا نكون مقيدين بوسائل الإثبات المنصوص عليها في
المواد من 443 إلى 448 من ق.م.م.
تعليقات
إرسال تعليق