الحقوق الخاضعة للإشهار في السجل العقاري.


مقدمة:

لقد نص المشرع في الفصل 65 من نظام التحفيظ العقاري، وفق ما جرى تغييره بالقانون رقم 07-14 على أنه، "يجب أن تشهر بواسطة تقييد بالرسم العقاري، جميع الوقائع والتصرفات، والاتفاقات الناشئة بين الأحياء مجانية كانت أو بعوض، وجميع المحاضر، والأوامر المتعلقة بالحجز العقاري، وجميع الأحكام التي اكتسبت قوة الشيء المقضي به، متى كان موضوع جميع ما ذكر تأسيس حق عقاري، أو نقله إلى الغير، أو الإقرار به، أو تغييره أو إسقاطه، وكذا جميع عقود أكرية العقارات لمدة تفوق ثلاث سنوات، وكل حوالة لقدر مالي يساوي كراء عقار لمدة تزيد على السنة غير مستحقة الأداء أو الإبراء منه".
إذا كان الفصل أعلاه هو المرجع الأساسي في تحديد الحقوق الواجب إشهارها في السجل العقاري، وهي حقوق تتراوح بين ما هو عيني، وما هو شخصي، فإنه ثمة حقوقا أخرى ورد النص عليها في فصول متفرقة من القانون العقاري، وهو ما سنقف عنده من خلال نقطتين أساسيتين، نتناول في الأولى الحقوق العينية الخاضعة للتسجيل، على أن نتعرض للحقوق الشخصية التي يمكن تسجيلها في نقطة ثانية، على أن نخصص لكل نقطة مما ذكر فرعا خاصا.

المحور الأول: الحقوق العينية الخاضعة للتسجيل.

  بالرجوع إلى الفصل 65 من القانون رقم 07-14، السالف الذكر يتبين أن التصرفات التي عددها الفصل هي الوقائع، والتصرفات والاتفاقات، والتي يقصد بها تسجيل جميع الأعمال المادية التي يمكن أن تطرأ على العقار فتغير من طبيعته، أو مساحته، أو شكله، أو معالمه من أجل أن يكون هناك تطابق مستمر بين واقع العقار من الناحية الفعلية، وبين بيانات الرسم العقاري من الناحية القانونية، وذلك كله انسجاما مع تقنية الشهر العيني الذي يقوم عليه نظام التحفيظ العقاري بالمغرب.[1]
ومن الأعمال المادية التي يجب إشهارها ما يتعلق بإحداث تجزئة عقارية، كما نصت عليه المادة 12 من قانون 25.90[2] بأنه "يجب على صاحب التجزئة أن يقوم فور الحصول على الإذن في إحداث التجزئة بإيداع نسخة من الملف محل هذا الإذن في المحافظة العقارية".
كما يجب أن تشهر في السجل العقاري عمليات البناء، أو الهدم المقامة على العقار المحفظ، وتكون ذات أهمية يمكن أن تزيد أو تنقص من قيمة العقار.[3]
إلا أن إلزام المعنيين بتقديم ملف طبوغرافي يعده مهندس متخصص يتضمن كل الوثائق التقنية المنجزة على العقار بخصوص الأعمال المادية التي ثم إحداثها، وينتج عن ذلك من مصاريف إضافية، يؤدي إلى تقاعس المعنيين عن طلب إشهار حقوقهم الناتجة عن الأعمال الجديدة، وبالتالي تبقى الرسوم العقارية غير مطابقة للحالة المادية الفعلية لهذه العقارات.[4] 
على غرار الأعمال المادية الواجب تسجيلها، نص المشرع كذلك على إشهار الاتفاقات المتعلقة بتأسيس حق عيني عقاري، أو نقله إلى الغير، أو إقراره، أو تغييره، أو إسقاطه، وهذه التصرفات تشمل كل الاتفاقات المبرمة بين الأحياء سواء تمت بعوض كالبيع، والمقايضة، أو بغير عوض كالهبة، والصدقة.[5]
وكذلك يجوز للدائن، الذي لم يقبض دينه عند حلول أجله، طلب التحفيظ بناء على قرار قضائي صادر لفائدته بالحجز العقاري ضد مدينه، وذلك حسب ما نص عليه الفصل 11 من قانون 07-14.
بالإضافة إلى ما سبق تشهر جميع الأحكام القضائية، أو القرارات التي تكسب قوة الشيء المقض به، إذا كانت ترمي إلى تأسيس حق عقاري أو تغييره، أو نقله، أو إسقاطه، أو الإقرار به، غير أن تسجيل الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به متوقف على كون الحق المراد تسجيله قد تم تأسيسه بعد التحفيظ، وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف بالرباط .[6] 
يبقى أن نشير فقط فيما يتعلق بالإرث، والوصايا اللتين تقومان على واقعة مادية هي الوفاة، فإن الفصل 82 من قانون 07-14 ينص على أنه "لتقييد الحقوق العينية العقارية المترتبة على الإرث، يجب على الورثة أو الموصى لهم أن يقدموا للمحافظ على الأملاك العقارية طلبا للتقييد مدعما بكل الوثائق المثبتة لانتقال الحق لفائدتهم بصفة قانونية.
يجب أن يتضمن الطلب البيانات المنصوص عليها في الفصل 69 من هذا القانون، يجب أن تنص الوثائق المثبتة لانتقال الحق على نصيب كل واحد من الورثة، والموصى لهم".
والتسجيل هنا ليس له أثر منشئ للحق العيني، وإنما ينتقل إليهم بمحض صفتهم التي أثبتوها من خلال شكليات طلب التسجيل.

المحور الثاني: الحقوق الشخصية الممكن تسجيلها.

ليس كل حق شخصي قابل للتسجيل في السجلات العقارية، وإنما هاته الحقوق محددة بمقتضى الفصل 65 من ظهير التحفيظ العقاري، والذي عدل وتمم بمقتضى قانون 07-14، ولعل أهمها أكرية العقارات المبرمة لأكثر من ثلاث سنوات، ذلك أن الغاية من تقييد هذا الحق الشخصي هو حماية الغير أكثر من حماية الأطراف، وهذا ما يستشف من الفصل 68 من ظهير 1913،* والذي تمم وعدل بمقتضى قانون 07-14، والذي قضى بعدم جواز الاحتجاج بهذه الأكرية في مواجهة الغير إلا بتسجيلها في السجل العقاري.
كما ذهب بعض الفقه[7] إلى أن الغاية من تقييد الأكرية لمدة تفوق ثلاث سنوات يجعل العقار مثقلا به، وبالتالي ينقص من حرية مالكه، مما يستدعي إشهار هذه التصرفات كي يكون المتعامون على العقار على بينة من وضعيته القانونية.
وتعتبر عقود الإبراء أو الحوالة لقدر مالي يساوي كراء عقار لمدة تزيد عن السنة من التصرفات التي تتعلق بها الحقوق الشخصية التي أوجب الفصل 65 من قانون التحفيظ العقاري تسجيلها،[8] فالإبراء إذا كان مبلغه يوازي كراء عقار لمدة تزيد على السنة لضمان الوفاء الصادر من الدائن اتجاه مدينه تنقضي به التأمينات التي كانت قد وضعت لضمان الوفاء، وهذا ما يستتبع ضرورة تسجيل هذه العمليات للحفاظ على حقوق الأطراف والغير.[9]    
أما فيما يخص الحوالة كتقنية قانونية لانتقال الالتزام،[10] فإن الفصل 65 أوجب تسجيل كل حوالة لقدر مالي يوازي كراء عقار لمدة تزيد على السنة غير مستحقة الأداء، ولما كان القدر المالي الوارد في النص يفيد الحقوق المالية -الأجور- التي تكون من حق المكري، فإنه يمكن القول أن المشرع المغربي حصر التقييد في الحوالة التي يجريها المكري، غير أن ذلك متوقف بالضرورة على أن تكون الحوالة لقدر مالي يوازي كراء عقار لمدة تزيد على السنة.

المراجع المعتمدة:



[1] - ذ.محمد خيري: حماية الملكية العقارية و نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة، طبعة 2001،  ص 370.
[2] - قانون 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، الصادر بموجبه ظهير رقم 7-92-1 بتاريخ 15 ذي الحجة 1412 الموافق 17 يونيو 1992، والمنشور بالجريدة الرسمية، عدد 159/2، ص 88.
[3] - ذ. مازن الجم: "الحقوق الخاضعة للتسجيل وفق نظام التحفيظ العقاري"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش، السنة الجامعية 1990-1991، ص 30.
[4] - ذ. محمد بن الحاج السلمي: "سياسة التحفيظ العقاري بالمغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الإجتماعي والإقتصادي"، رسالة السلك العالي بالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، السنة الجامعية 1977-1978، ص 115-116.
[5] - هذا ما أكده المجلس الأعلى فيما يتعلق بالصدقة حيث جاء في قراره عدد 2370 الصادر بتاريخ 26-3-1995 ملف عقاري 91/6311 ما يلي: وحيث أن الطاعنين دفعوا في مرحلتي التقاضي بأن أية حيازة قانونية بمفهوم التسجيل العقاري لم تقع قبل حدوث المانع الذي هو وفاة المتصدقة...، وأن محكمة الإستئناف عندما اعتبرت أن الحيازة قائمة بالرغم من عدم تسجيل رسم الصدقة إلا بعد وفاة المتصدقة فإنها تكون خرقت مقتضيات الفصلين 66 و67 من قانون التحفيظ العقاري الأمر الذي يعرض قرارها للنقض، أورده ذ. الحسن هوداية،" أهم قرارات المجلس الأعلى في نقصان وانعدام التعليل"، الجزء الثالث، المادة العقارية، الطبعة الأولى 2004، ص 84.
[6] - قرار محكمة الإستئناف بالرباط، أورده، محمد خيري: م.س، ص 381.
* - الفصل 68 من ظهير 1913 عدل وتمم بالقانون 07-14 "إن عقود الأكرية التي لم يقع إشهارها للعموم بتقييدها في الرسم العقاري طبقا لمقتضيات الفصل 65 من هذا القانون، لا يجوز التمسك بها في مواجهة الغير لكل مدة تتجاوز ثلاث سنوات تحسب من اليوم الذي تنتج في العقود المشار لها في الفصل 67 أثرها.
[7] -مازن الجم: م.س، ص 46.
[8] - الإبراء هو تنازل الدائن عن حقه للمدين بلا مقابل.
[9] - ذ.محمد خيري، م.س، ص 402.
[10] - ينص الفص 189 من ق.ل.ع.م. على أنه "يجوز انتقال الحقوق والديون من الدائن الأصلي إلى شخص آخر بمقتضى القانون، وإما بمقتضى اتفاق المتعاقدين".

سياسة

ريــاضـة

تابعنا على الفيسبوك