لكي
يؤدي القانون الجنائي وظيفته، و يسلك في تطبيقه الطريق القويم كان لا بد من
الاستعانة بعلوم أخرى لها اتصال بالقانون الجنائي تسمى بالعلوم المساعدة للقانون
الجنائي و هي على التوالي:
أولا: علم الإجرام.
هو
علم يعمل على دراسة الجريمة و البحث عن الأسباب و الدوافع التي تؤدي إلى ارتكابها و
تحديد طرق علاجها، و يتكون من قسمين: الأول علم طبائع المجرم " يضم النظريات
المختلفة لطبائع المجرم"، و الثاني يسمى علم الاجتماع الجنائي " يدرس
العوامل العامة للإجرام: الظروف الاجتماعية، الاقتصادية، المهنية...".
و
للوصول إلى هدفه يستعين علم الإجرام بعدة علوم نذكر منها :
1- علم الإنسان الاجتماعي.
هذا
العلم يتقصى أسباب الظاهرة الإجرامية التي تكون كامنة في شخص الجاني، و ذلك عن طريق دراسة التركيب
الجسماني و الخلقي للمجرم و أثر الوراثة فيه.
ومؤسس
هذا العلم هو "لومبروزو" lambrozo الإيطالي الجنسية، الذي كان يشتغل طبيبا للأمراض
العقلية في الجيش الإيطالي، حيث استخدم المنهج التجريبي في دراسة شخصية الجاني
بهدف ضبط العوامل المختلفة التي دفعت به إلى الإجرام وذلك من خلال ملاحظاته لعدد
من الجنود الذين جنحوا لطريق الجريمة، وانتهى إلى أن الجانحين من هؤلاء يتميزون عن
غيرهم بملامح و علامات تكوينية خاصة.
و
هذا العلم قد يكون تأثر بنظرية الوراثي "داروين" التي تقوم على مقولة أن
المجرم من الجنس البشري يميل إلى البدائية و الخشونة و يتميز بعلامات خلقية أبرزها
نتوء في عظام الجبهة و ضخامة في الهيكل الحركي "العظمي" تترافق بظواهر
حيوية بيولوجية تدفع الشخص للإجرام كالصرع و الانحطاط و الإحباط...
و
نظرية lambrozo ساهمت بكيفية إيجابية في الدفع بعلم الإجرام إلى
الأمام من خلال جدب المتهمين بالظاهرة الإجرامية و حثهم على الاعتماد بالعناصر
المكونة للشخصية البشرية "الخلقية و الوراثية..." باعتبارها تشكل مؤشرا
فاعلا في خلق الظاهرة الإجرامية.
2- علم النفس الجنائي.
و
يبحث من الناحية النفسية عن أسباب الجريمة، و أهمية هذا العلم تظهر على الخصوص في
نطاق الإسناد المعنوي للجريمة إلى المجرم، و في تحديد نوع العقوبة أو التدبير
الوقائي الملائم لمواجة الجاني.
3- علم الإجرام الجنائي.
يبحث
عن الأسباب و العوامل الاجتماعية التي تؤثر على ارتكاب الجريمة انطلاقا من محيط المجرم،
ومجاله واسع يتناول الأسرة، و الوسط الذي يعيش فيه، و الظروف الاقتصادية و التربية
و التعليم، و الدين، وكيفية قضاء أوقات الفراغ، وتأثير الوسائل السمعية البصرية و
تأثير الكوارث طبيعية كانت أو غير طبيعية. و مؤسس هذا النوع من العلم هو
"أنريكو فيري A.ferry".
4- علم الإحصاء الجنائي.
هذا
العلم يسهل كثيرا البحث عن أسباب الجريمة و ظروف مكافحتها بما يقدمه من أرقام و
معلومات تتعلق بمختلف أنواع الجرائم حتى يكون بإمكان المشرع و المشتغلين بالعدالة
الجنائية عموما التصدي لمحاربة الظاهرة الإجرامية بالوسائل الفعالة و الملائمة.
فمثلا
معرفة أرقام الاغتصاب أو السرقة أو العنف... التي وقعت في أماكن معينة تساعد في الإقلال
من ارتكاب مثل هذه الجرائم بسبب توجيه الاهتمام لوسائل الوقاية و المكافحة في تلك
الأماكن.
ثانيا: علم العقاب.
يساهم
في استنباط أنجع الوسائل لتنفيذ العقوبات و مدى فعاليتها لتأهيل المجرم، ثم إنه
يسمح بمعرفة أنظمة السجون و الوقوف على أنفعها لتنفيذ العقوبة، و متى يعمل بالسجون
المفتوحة و غيرها. و هكذا و غير خاف ما لنتائج هذه الدراسات التي يقوم بها
الباحثون في هذا المجال من أهمية، ذلك أنها تساعد على تطوير أنواع العقوبات التي
يقررها المشرع الجنائي لجزر مختلف الجرائم أو على تعديل الطريقة التي تنفذ بها، و
تنفع كذلك في معالجة بعض الأوضاع الشاذة التي تقضي إما التشديد في مواجهة المجرم
أو الرأفة به.
ثالثا: علم اكتشاف الجرائم.
دور
هذا العلم ينحصر في كشف مرتكبي الجرائم، الذين يتحوطون كثيرا في إخفاء أنفسهم عن
أعين العدالة، و ذلك بتعمدهم بعدم تركهم لأي دليل تتوصل الأجهزة المختصة من خلاله
إلى نسبة الجريمة إليهم و إدانتهم تبعا لذلك.
فبدون
هذا العلم تظل القواعد الجنائية معطلة بدون مفعول، و ذلك لأن الجاني إما أن يتمكن
من التهرب من العدالة، و إما أن يضلل العدالة و يدفعها لمعاقبة شخص آخر عوضا عنه
لم يرتكب تلك الجريمة، وواضح أن كلا الأمرين شر يجب توقيه بلا هوادة، نظرا لما
يحدث من أضرار بالغة بشرف و سمعة العدالة الجنائية التي يلزم المحافظة عليها دائما
ولا يتحقق ذلك إلا بالتزامه للدقة و السرعة و احترام الحريات في أداء عملها عند
البحث و التحقق في الجرائم.
و
من هنا تبرز أهمية هذا العلم الذي بدونه تصاب القواعد الجنائية الموضوعية بالشلل،
و يقع الاعتداء على الحريات الفردية، و تصان حرية المجرمين المضللين...، وهذا
النوع من العلم يتفرع إلى علوم جزئية أهمها:
1- الطب الشرعي.
يعتمد
في سبيل اكتشاف الجريمة على العلوم البيولوجية و تحليلات مختلفة تشمل دراسة الدم و
المني و الألبسة و كل ما له علاقة بالجريمة.
و
يفيد الطب الشرعي عن طريق التشريح في معرفة مصدر و تاريخ القتل مثلا، فيحدد هل
القتيل مات بسلاح أم بسم أو بمواد أخرى أو هل مات بمرض أو نقص في بعض المواد، ثم
هل الموت قديم أم حديث، أو هل أن الطلقات أن الطلقات النارية التي أصابته عن بعد
أم عن قرب – إذا كان قد قتل رميا بالرصاص –
2- فن القياس البشري.
هذا
العلم يهتم بقياس أعضاء الإنسان أو أعضاء المجرم التي لا يمكن أن يعمل على
تغييرها، لكن هذه الطريقة لا تعتمد إلا إذا بلغ الإنسان أو المجرم 20 سنة من العمر
حيث يكتمل نمو الجسم و تستقر أعضاؤه، و هي طريقة "برتيون bertillon
".
و
لتفادي المساوئ الناجمة عن تغيير الأعضاء قبل إدراك المجرم سن العشرين اهتدى
"كالتون galton" ابتداء من سنة 1882
إلى طريقة البصمات و هي طريقة غاية في الدقة، لان البصمات لا تتغير بعامل الزمن
حيث تلازم صاحبها منذ ولادته إلى وفاته.
و
تؤكد البحوث في هذا الميدان أنه لا و يوجد شخصان في العالم بصماتهما متشابهة، و
هذه الطريقة لا تنفع معها استعارة أسماء أخرى أو التشابه في الأسماء.
3- الشرطة العلمية.
تساعد
الشرطة العلمية على البحث عن الجريمة و عن مرتكبها انطلاقا من وثائق و أحداث
معلومة، و هي تستعمل في ذلك أنجع الوسائل العلمية، كالاعتماد على حاسة الشم التي
يتميز بها الكلاب للتعرف على المجرمين و كشفهم، و أيضا الاعتماد على المختبرات
للقيام بتحليل الوقائع و الأدلة و الوسائل التي نفدت بها الجريمة "
الأطعمة،البول، الأنسجة العضوية، الدم،
الزجاج، الخزف، الورق، التربة، الصخور،..." للعثور على المجرم و تسليمه
للعدالة.
الأستاذ: الطاهر الكركري، محاضرات في القانون الجنائي العام